منذ إطلاق ChatGPT عام 2022، تصاعدت التحذيرات من أن الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى ما يشبه “نهاية العالم بالنسبة للوظائف”. ورغم أن معدلات التوظيف في الدول الغنية لا تزال عند مستويات مرتفعة، فإن المخاوف الشعبية تتزايد: سبعة من كل عشرة أميركيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيجعل العثور على عمل أصعب، فيما يخشى نحو ثلثهم على وظائفهم الحالية.
وفقاً لتقرير نشرته مجلة The Economist البريطانية فإن التاريخ يقدم بعض العزاء. فالثورات التكنولوجية السابقة لم تؤدِ إلى انهيار شامل في الطلب على العمل البشري. لكن هذه المرة تبدو مختلفة. نماذج الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة مذهلة، قادرة على إنجاز مهام معقدة في البرمجة وغيرها، فيما تتسابق الشركات على الاستثمار في هذا المجال، ما يثير تساؤلات حول مستقبل العمالة البشرية.
حتى الآن، لا تظهر بيانات سوق العمل دليلاً على فقدان واسع للوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي. لكن الاقتصاديين يحذرون من أن المشكلة قد لا تكون في وفرة العمل، بل في جودة الوظائف والأجور. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والأراضي بفعل توسع مراكز البيانات، قد تتراجع القوة الشرائية للعمال، بينما تتركز الأرباح في أيدي مالكي رأس المال.
هذا السيناريو يثير مخاوف من اضطرابات سياسية واجتماعية. تجربة “صدمة الصين” بين عامي 1999 و2011، حين فقد ملايين الأميركيين وظائفهم بسبب المنافسة التجارية، أظهرت أن حتى خسائر محدودة يمكن أن تشعل غضبًا شعبيًا وتغير المشهد السياسي.
يقترح المقال ثلاث مسارات رئيسية:
إبطاء التغيير: عبر فرض ضرائب على رأس المال أو الحد من تسريح العمال. لكن هذا الخيار قد يحرم البشرية من فوائد الذكاء الاصطناعي في مكافحة الأمراض وحل مشكلات كبرى مثل المناخ والفقر.
إصلاحات ضريبية ودعم العمال: فرض ضرائب على الأرباح الفائقة والموارد الطبيعية، إلى جانب سياسات مثل التأمين على الأجور وبرامج التدريب لإعادة تأهيل العمال، كما في النموذج الدنماركي.
أفكار راديكالية: مثل توزيع أرباح أو أسهم من شركات الذكاء الاصطناعي على المواطنين، أو حتى ملكية عامة جزئية لهذه الشركات، لضمان أن فوائد التكنولوجيا تصل إلى المجتمع بأكمله.
الوظائف لم تختفِ بعد، لكن الانتظار حتى وقوع نهاية العالم بالنسبة للوظائف سيكون خطأً قاتلًا. الحكومات مطالبة بالتحرك المبكر لبناء شبكة أمان اجتماعي، وتبني سياسات ضريبية عادلة، ودعم العمال في مواجهة التحولات القادمة. فالمعركة ليست ضد التكنولوجيا، بل ضد تركيز الثروة والسلطة في أيدي قلة، وضمان أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يكون مشتركًا لا محتكرًا.
