دخلت المعركة القانونية بين الولايات الأمريكية وعمالقة التكنولوجيا مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، عقب كشف شركة “ميتا” (Meta) في وثائق قضائية حديثة عن مطالبة أربع ولايات — هي كاليفورنيا، كولورادو، كنتاكي، ونيوجيرسي — بتعويضات وغرامات فلكية دمجت معاً لتصل إلى 1.4 تريليون دولار. وتأتي هذه المطالبات مدفوعة باتهامات تفيد بأن الشركة صممت منصاتها لتعمد إدمان صغار السن وتضليل الرأي العام بشأن مستويات أمانها.
يقول تقرير للكاتب كوري إل. أندروز في The Wall Street Journal أن المبلغ الضخم يمثل قيمة اسمية تتجاوز خمسة أضعاف “تسوية التبغ الكبرى” الشهيرة عام 1998 (والتي بلغت 246 مليار دولار وزعت على 25 عاماً)، ويكاد يعادل القيمة السوقية الإجمالية لشركة “ميتا” نفسها، البالغة نحو 1.6 تريليون دولار. ورغم ترحيب الكثير من أولياء الأمور والناشطين بهذه الخطوة وسط مخاوف حقيقية على الصحة العقلية للشباب، إلا أن خبراء القانون يحذرون من خطورة تحويل قاعات المحاكم إلى ساحات للتشريع وصياغة السياسات العامة.
ينبه التقرير إلى أن رغبة المجتمع في إيجاد “كبش فداء” للأزمات النفسية التي يعاني منها المراهقون لا تعني بالضرورة أن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب المباشر، حيث تظل الأدلة العلمية في هذا السياق بعيدة كل البعد عن الحسم.
لا يعترف علم النفس الحديث رسمياً بما يسمى “إدمان وسائل التواصل الاجتماعي” كاضطراب مرضي، ويظل “القمار” هو السلوك الإدماني الوحيد المعترف به رسمياً.
أظهرت دراسة تحليلية موسعة (Meta-Analysis) نُشرت عام 2025 عدم وجود أي ارتباط ذي مغزى سريري بين الوقت الذي يقضيه المراهقون على هذه المنصات وبين تدهور صحتهم العقلية.
أكدت الرابطة الأمريكية لعلم النفس (APA) في استشارياتها الصحية أن هذه التكنولوجيا “ليست مفيدة بطبيعتها ولا ضارة بطبيعتها”، مما يجعل لغة “الدوبامين والإدمان الرقمي” مجرد بلاغة خطابية تُلبس ثوب العلم الزائف.
وبناءً عليه، يرى الخبراء أن قاعة المحكمة هي “أسوأ مكان ممكن” لفض هذا النزاع العلمي، حيث يتحول الأمر إلى خطابات متبادلة بين خبراء مدفوعي الأجر أمام 12 مواطناً عادياً في هيئة المحلفين، يميلون عاطفياً للطرف الأكثر استدراراً للتعاطف.
إذا كانت ولايات كاليفورنيا وصديقاتها قد استندت إلى قوانين حماية المستهلك لحساب غراماتها (عبر ضرب عدد المخالفات المتوقعة في الحد الأقصى للغرامة)، فإن هناك أكثر من 1200 منطقة تعليمية وولايات أخرى مثل ماساتشوستس ونيومكسيكو تتبنى نظرية قانونية أقدم وأكثر مطاطية تُعرف باسم “المكاره العامة” (Public Nuisance).
تاريخياً، كان هذا القانون مخصصاً للقضايا المحلية البسيطة الواضحة مثل: إغلاق طريق، تلوث بئر جماعي، أو تخزين غير آمن للبارود. لكن محامي الادعاء قاموا بتحوير هذا المفهوم وتحويله لمهاجمة شركات التبغ، والأسلحة، والطلاء، والأفيونات، وأخيراً شركات النفط والتكنولوجيا. تكمن خطورة هذا المسار في تجريد القانون من أركانه الأساسية؛ فلا يُشترط فيه إثبات وجود عيب تصنيعي أو خطأ مباشر، أو حتى دليل قاطع بأن المدعى عليه هو من تسبب بالضرر حصراً، مما دفع إحدى المحاكم للتحذير سابقاً من أن هذا القانون بات “وحشاً قد يبتلع قانون المسؤولية التقصيرية بأكمله”.
إن ما يميز دعاوى “المكاره العامة” هو أنها لا تطلب تعويضات مالية فحسب، بل تطالب بـ “إلزامية الإزالة أو الإصلاح” . ويعني هذا عملياً مطالبة قاضٍ فردي — مسترشداً بخبير مدفوع من المدعين — بإعادة تصميم الكيفية التي تعمل بها وسائل التواصل الاجتماعي لمئات الملايين من المستخدمين.
وينتقد الكاتب الحقوقي “كوري إل. أندروز”، النائب التنفيذي والمستشار العام لمؤسسة واشنطن القانونية، هذا النهج بشدة مؤكداً:
“القواعد التي تلزم كل المواطنين الأمريكيين تسمى ‘تشريعات’ وليست ‘أحكاماً قضائية’، والدستور يضمن لنا كمواطنين حق عزل ومحاسبة الأشخاص الذين يكتبون هذه التشريعات عبر صناديق الاقتراع. إن إدارة الجمهورية بواسطة ‘أوليدارشية من المحامين’ أمر يخالف جوهر الدستور.”
وتلجأ شركات التكنولوجيا أحياناً للتسويات المليارية ليس اعترافاً بالخطأ، بل لأن تكلفة المضي في المحاكمات والمخاطرة بقرارات المحلفين تصبح باهظة جداً.
يخلص التقرير إلى أن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بفرز الأعمار، أو تقييد استخدام المنصات، أو إعادة تصميمها، هي صلاحيات أصيلة حصراً للكونغرس الأمريكي. فالمجالس التشريعية هي الجهة الوحيدة القادرة على استدعاء كافة الأطراف المتأثرة، وموازنة المصالح المتضاربة، وتعديل القوانين مراراً وتكراراً بناءً على تطور الأدلة العلمية. أما عندما يأمر القضاء بإعادة تصميم منتج عابر للولايات، فإن بقية الشعب يُحرم من التصويت ومن إبداء الرأي، ويتحول عمل القاضي من “الحُكم بالعدل” إلى “الحوكمة السياسية” دون تكليف شعبي أو غطاء علمي حاسم.
