حذرت مجلة “ذا إيكونوميست” البريطانية في تقرير تحليلي من المساعي الأمريكية الراهنة لفرض قيود صارمة ومكبلة على نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة (Frontier AI)، مؤكدة أن محاولات “حبس” هذه التكنولوجيا أو حظرها ستأتي بنتائج عكسية وخيمة على الصدارة الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة.
استهلت المجلة تقريرها بالإشارة إلى التاريخ التشريعي الأمريكي، حيث ولدت القوانين والمنظمات الكبرى دائماً من رحم الكوارث؛ مثل تأسيس الاحتياطي الفيدرالي بعد ذعر عام 1907، وولادة هيئة الغذاء والدواء (FDA) وهيئة الأوراق المالية (SEC) إبان الكساد الكبير، معتبرة أن الطفرة الحالية لنماذج مثل “Mythos” من شركة Anthropic و”GPT-5.6 Sol” من OpenAI تمتلك قدرات اختراق مرعبة قد تُستغل من قبل الإرهاب البيولوجي، مما يفسر رغبة إدارة ترامب في التحرك قبل وقوع الكارثة.
انتقدت الصحيفة التخبط والعشوائية اللذين شابا القرارات الحكومية الأخيرة، حيث كانت شركة Anthropic الضحية الأولى بعد فرض قيود تصديرية مفاجئة على نموذجها الآمن “Fable” في منتصف يونيو، تلاها إجبار شركة OpenAI على تقييد الوصول لنموذجها “Sol”، قبل أن تعود وزارة التجارة فجأة في 30 يونيو لترفع الحظر عن “Fable” بعد تعديلات طفيفة في أنظمة الحماية، مما يثبت أن الحكومة تصيغ القوانين “بشكل لغوي مرتجل” وصبغة قومية تمنح الأمريكيين الأولوية على حساب الأجانب.
أوضحت المؤشرات الفنية والجيوسياسية أن فرض حظر دائم على هذه التكنولوجيا أمر غير عملي ولا مبرر له، خاصة وأن المختبرات الصينية لا تبعد سوى أشهر قليلة عن نظيرتها الأمريكية، مستشهدة بنموذج “GLM 5.2” من شركة “Z.ai” الصينية الذي يضاهي أفضل النماذج الأمريكية للجيل السابق، فضلاً عن اعتماد النماذج الصينية على سياسة “الوزن المفتوح” (Open-weight) التي تتيح لأي شخص تعديلها وتشغيلها، ما يعني أن أي حظر أمريكي لن يشتري سوى عام واحد كحد أقصى.
حذرت المجلة من التداعيات الكارثية لاحتجاز أجيال متعددة من التكنولوجيا المتطورة داخل “زجاجة التنظيم الحكومي”، مؤكدة أن المجتمعات تتكيف مع الذكاء الاصطناعي بشكل أفضل عندما يتدفق تدريجياً لا عبر طفرات مفاجئة، وأن هذا الحجب سيمنح قوة مفرطة لقلة مختارة ويفجر فوضى عارمة في الأسواق العالمية لحظة الإفراج المفاجئ عن تلك النماذج.
دعت “ذا إيكونوميست” الإدارة الأمريكية إلى التراجع خطوة للوراء وترك عملية التقييم الفني للمختبرات والمؤسسات المتخصصة مثل “مركز معايير الذكاء الاصطناعي والابتكار” الأمريكي ومعهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني (AISI)، بدلاً من المقايضات السياسية والميكرو-إدارة التي يمارسها السياسيون اليوم، مع اقتراح بناء هيكل رقابي مشترك يدمج بين القطاعين العام والخاص على غرار الأنظمة المتبعة في قطاعي المالية والطاقة الكهربائية.
اختتمت المجلة تقريرها بالاشارة إلى الواقعية السياسية، مستبعدة أن يتنازل دونالد ترامب عن القوة السيادية الهائلة التي تمنحها السيطرة على هذه النماذج لصالح العمل المشترك مع الحلفاء، ومطالبة الدول الأخرى ببناء مراكز بيانات مستقلة واعتماد نماذج غير أمريكية كصمامات أمان ضد قيود التصدير الأمريكية، لأنه ورغم أن الاعتماد على واشنطن أسهل بكثير من الارتهان لبكين، إلا أن تجاهل مخاطر المزاجية السياسية الأمريكية يعد ضرباً من الجنون.
