تبدو المدينة الجديدة اللامعة وكأنها تلبي كل متطلبات الرفاهية الحديثة: مدرسة متطورة، مركز طبي، مجمع ترفيهي، حانات لبيع السوشي، وحتى حديقة مخصصة للكلاب مجهزة بألعاب التسلق. لكن المشهد الخادع يتبدد عند الاقتراب من مدخلها؛ حيث تصدمك لافتة تحذيرية حاسمة كُتب عليها “ملكية خاصة”.
وفي رصد ميداني أجرته الكاتبة إيمي غاميرمان داخل هذه المستعمرة التكنولوجية، تلتف البوابات الإلكترونية حول شوارع البيوفوت المليئة بالمنازل ذات اللونين الأبيض والأسود مثل خندق مائي لقلعة من العصور الوسطى. ووثقت الكاتبة مشهد مواطن ضل طريقه ودخل إلى المتجر الصغير بالبلدة، فما كان من الحراس المسلحين التابعين للشركة، والمدججين بالعتاد التكتيكي العسكري، إلا أن اقتادوه إلى الخارج فوراً.
إنها مدينة “ستاربايس” (Starbase) في ولاية تكساس، التي بناها إيلون ماسك على الحافة الجنوبية الوعرة للولايات المتحدة عند الحدود المكسيكية، لتكون المقر الرئيسي لشركته المخصصة لصناعات الفضاء والذكاء الاصطناعي “SpaceX”. هنا، تحولت المساحات العامة إلى ملكية خاصة تسيطر عليها شركة الرجل الأغنى في العالم، في بيئة يصفها السكان المحليون بأنها شديدة السرية، وتدار بواسطة لجنة بلدية تابعة للشركة تكتفي بـ “التبصيم” بالموافقة على رؤى ماسك، في مكان يتم فيه توجيه الأطفال حتى في مرحلة رياض الأطفال وفقاً لفلسفته الخاصة.
تريليون ماسك الأول ومحاكاة فوردلانديا
ولم تعد “ستاربايس” مجرد قاعدة إطلاق، بل أصبحت تجربة “بيتا” (تجريبية) لطبقة أوليغارشية صاعدة تهدف إلى إعادة صياغة أمريكا من الداخل إلى الخارج. وباتت هذه الهيمنة مرشحة للتوسع الجغرافي السريع بفضل التدفقات النقدية الضخمة التي أغرقت خزائن “SpaceX” يوم الجمعة الماضي بعد طرحها التاريخي للاكتتاب العام الأولي (I.P.O) في البورصة، حيث نجحت الشركة في جمع رقم قياسي حطم كل التوقعات بلغ 75 مليار دولار، لتقفز قيمتها السوقية الإجمالية إلى 1.75 تريليون دولار.
وبهذه القفزة المالية غير المسبوقة، أصبح إيلون ماسك رسمياً “أول تريليونير في العالم” بالتزامن مع طرح الشركة للاكتتاب. وعقب هذا التتويج المالي، أعلن ماسك عبر حساباته أن “SpaceX تدرس عدة مواقع محلية ودولية لبناء أكثر الموانئ الفضائية تقدماً في العالم!”، وسط تقارير تؤكد استحواذ شركة فضاء مجهولة (يُعتقد أنها SpaceX) على مساحات شاسعة من الأراضي الساحلية في ولاية لويزيانا.
مدن الشركات
تشبه الكاتبة غاميرمان هذا الواقع بالنمط الاستبدادي لـ “مدن الشركات” الذي ساد في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وتحديداً مشروع “فوردلانديا” (Fordlandia)؛ وهي المدينة اللامركزية الهائلة التي بناها هنري فورد في غابات الأمازون المطيرة بالبرازيل لتأمين مطاط الإطارات. كانت فوردلانديا يوتوبيا فورد الشخصية، فرض فيها نظاماً غذائياً صارماً على العمال يعتمد على الأرز البني والشوفان والخوخ المعلب، وأجبرهم على رقصات مربعة أحبها بنفسه.
واليوم، تلوح أشباح فوردلانديا في ستاربايس؛ فالرقابة المؤسسية ممتدة حتى إلى قائمة الطعام في حانة “أستروبوب” بالمدينة، والتي تضع تحذيراً للزبائن ينبههم إلى “الطبيعة السرية والحصرية” للأطباق المقدمة! بينما يتم صياغة “المهمة بين الكوكبية لشغل الفضاء” حتى في الوصف الوظيفي لعمال النظافة ومشرِفي النفايات بالشركة.
نفوذ سياسي مطلق
يكمن الفارق الجوهري بين هنري فورد وإيلون ماسك في حجم المال والسرعة الإعجازية التي تحول بها إلى نفوذ سياسي مطلق؛ فثروة فورد الإجمالية بتقييم دولار اليوم لا تتجاوز 200 مليار دولار. في المقابل، استخدم ماسك تريليوناته على مدار عقد لتغذية لجان العمل السياسي (PACs) ودعم المرشحين المحافظين، وضخ الملايين لتمويل حملات نواب وحكام ولاية تكساس، مما منحه سيطرة قانونية شبه كاملة.
وفي مايو/أيار 2025، صوتت كتلة انتخابية مكونة بالكامل تقريباً من موظفي SpaceX وعائلاتهم (بواقع 212 صوتاً مقابل 6 أصوات) على دمج المنطقة وتأسيس مدينة “ستاربايس” رسمياً. ورغم أن المدينة تدار ظاهرياً بواسطة مجلس بلدي ورئيس بلدية تم انتخابه لولاية مدتها عام واحد، إلا أن الحقيقة مغايرة تماماً؛ فرئيس البلدية وأحد الأعضاء هما مدراء تنفيذيون في SpaceX، والعضو الثالث هو زوج لموظفة بالشركة، حتى إن الانتخابات الأخيرة أُلغيت لعدم تجرؤ أي شخص على الترشح ضد مسؤولي الشركة الحاليين.
ونتيجة لهذا النفوذ، مرر المشرعون في تكساس حزمة قوانين “تفصيلية” لحماية المستعمرة؛ أحدها يفرض عقوبة السجن على كل من يعطل عمليات ستاربايس، والآخر يمنح رئيس البلدية الحق في إغلاق الشواطئ العامة والطرق السريعة المؤدية للمدينة بناءً على تقديره، بينما يحصن قانون آخر الشركة تماماً من أي دعاوى قضائية يرفعها الجيران بسبب الضوضاء أو الأضرار الناتجة عن الصواريخ، وسط مخاوف حقوقية من استخدام هذه القوانين لتجريم أي احتجاجات سلمية (وهو نفس المسار الذي نسخته ولاية لويزيانا مؤخراً لجذب الملياردير).
حوادث قاتلة وإخلاء فوري
بينما تعرض مقاطع الفيديو الدعائية على يوتيوب أجواء احتفالية صاخبة للموظفين والمهندسين الذين أصبح بعضهم “مليونيرات” بفضل أسهم الاكتتاب، ويقودون شاحنات “سايبر تراك” في شوارع المدينة، تُهمس الحقائق المظلمة لستاربايس في الخفاء:
الحادثة القاتلة: في 15 مايو/أيار الماضي، لقي العامل “خوسيه لويس باوتيستا” (25 عاماً) حتفه في حادث فجراً أثناء تشييد مبنى تجميع مركبات “جيجاباي ستارship”. والمثير للصدمة أن سيارات الإسعاف التابعة لمدينة برونزفيل المجاورة أُمرت بالدوران والعودة بعد أن أبلغهم مسؤولو SpaceX بأن خدمات الطوارئ الطبية الخاصة بالشركة تولت الحادث بالكامل، وهو ما يخضع حالياً للتحقيق من قِبل إدارة السلامة والصحة المهنية الفيدرالية (OSHA).
بيئة العمل الشاقة: أصبحت فترات العمل الممتدة لـ 12 ساعة متواصلة ولمدة 38 يوماً دون انقطاع أمراً اعتيادياً، مما أدى إلى نقل مهندسين للمستشفيات بسبب الإفراط في تناول مشروبات الطاقة للبقاء مستيقظين.
الطرد والإخلاء: المئات من الشقق والمنازل التي تبنيها الشركة داخل حدود المدينة ليست للبيع بل للإيجار الحصري للموظفين، وأكد عمال سابقون لـ “رولينغ ستون” أنه بمجرد فصل الموظف من عمله، يتم طرده وإخلاؤه من منزله في غضون ساعات قليلة.
أما السكان الأصليون الذين رفضوا بيع منازلهم والإخلاء قبل سنوات، فيعيشون كأغراب خلف الأسوار؛ حيث تروي “أمبر بومبا” أن والدها، وهو محارب قديم معاق، بات محاصراً بالأسوار الإلكترونية الجديدة التي تحجب عنه حتى رؤية نهر “ريو غراندي”، ومحروم من دخول مرافق ومطاعم المدينة التي تصفها بأنها أصبحت تُدار كـ “ديكتاتورية خاصة”.
مسرح لصفقات البنتاغون والمشاهير
وعلى الجانب الآخر، يستغل ماسك مستعمرته كمسرح سياسي وإعلامي ضخم؛ ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي، زار نجم يوتيوب الشهير “MrBeast” المصنع ليعلن أمام مئات الملايين من متابعيه أن منشأة ستارship هي “أروع شيء بناه البشر على الإطلاق”.
وفي يناير/كانون الثاني، زار المدينة وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، حيث تمتلك SpaceX عقوداً بمليارات الدولارات مع وكالة “ناسا” والبنتاغون؛ وخلال الحدث المشترك، صرح ماسك علناً بأن هدفه هو إرسال “سفن فضاء ملحمية مستقبلية” إلى مجرات بعيدة “حيث يمكننا الالتقاء بالفضائيين”، ليرد عليه وزير الدفاع بالتحية الشهيرة لفيلم “ستار تريك”.
هل ينفجر المنطاد؟
تختتم إيمي غاميرمان تقريرها في “نيويورك تايمز” بالإشارة إلى درس تاريخي بليغ؛ ففي عام 1930، وضيقاً بالأرز البني والتحكم الصارم، ثار عمال “فوردلانديا” في وجه مدراء هنري فورد، وحطموا ساعات الدوام والمعدات وأحرقوا المصانع قبل أن تهجر الغابة المدينة وتموت أشجار المطاط بسبب الآفات.
واليوم، تم تزويد طموح إيلون ماسك الإمبراطوري بمليارات الدولارات من “وقود الصواريخ” في البورصة عبر هذا الاكتتاب التاريخي، وبات قادراً على تكرار نموذج “ستاربايس” في ولايات ودول أخرى. لكن التاريخ يعلمنا أن العالم دائماً ما ينتفض في وجه الطغاة الصناعيين الذين يحاولون ثني كبرياء البشرية لإخضاعها لإرادتهم الخاصة.. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن وسط وهج التريليونات: إذا ما انفجرت هذه التجربة الرأسمالية العنيفة، فمن الذي سيدفع ثمن الشظايا؟
