يحذر خبراء في القانون الدولي ودراسات النزاعات من مرحلة جديدة وخطيرة في تاريخ الجرائم ضد الإنسانية، أصبحت فيها سياسات الإبادة الجماعية تُمارس وتُمول بل وتتحول إلى مشروعات استثمارية ربحية، في ظل عجز منظومة العدالة الدولية عن محاسبة المتورطين أو فرض عقوبات رادعة.
وجاء هذا التحذير في مقال تحليلي للمؤرخ البارز المختص في دراسات الإبادة الجماعية، أومير بارتوف، نشرته صحيفة “نيويورك تايمز إنترناشونال” حيث أوضح أن نهاية الإبادات الجماعية عبر التاريخ كانت تأخذ أحد مسارين: إما أن يحقق الجناة أهدافهم في ظل الإفلات من العقاب، أو أن تتدخل قوة عسكرية لإيقافهم وتطبيق العدالة (كما حدث في المحاكمات التاريخية عقب الحرب العالمية الثانية في نورمبرغ، ولاحقاً في كمبوديا ورواندا والبوسنة). ويرى الكاتب أن ما يشهده قطاع غزة اليوم يمثل نموذجاً ثالثاً وسابقة تاريخية خطيرة.
وفقاً للتقرير المنشور في صحيفة “نيويورك تايمز إنترناشونال”، فإن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول، متبوعاً بمصادقة مجلس الأمن في 17 نوفمبر/تشرين الثاني على خطة السلام التي طرحها الرئيس دونالد ترامب والمكونة من 20 نقطة، لم يمنع مقتل أكثر من 1,000 مدني فلسطيني إضافي جراء الهجمات الإسرائيلية. وبات الجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو 70% من مساحة القطاع، بينما يُحشر نحو مليوني فلسطيني في ثلث المساحة الأصلية فقط، وسط انعدام مقومات الحياة والنية المتبقية لإقامة “مدن إنسانية” مغلقة في الجنوب.
وتتضمن المرحلة الثانية من خطة ترامب — التي تشرف عليها الهيئة الدولية المسماه “مجلس السلام” برئاسته — نزع سلاح القطاع وتشكيل لجنة تكنوقراطية فلسطينية لإدارته، تمهيداً لبناء مشروع استثماري ضخم يُعرف بـ “غزة الجديدة” (New Gaza) أو “الريفيرا”. ويحذر بارتوف من أن هذا المخطط سيحول السكان الفلسطينيين الأصليين إلى مجرد عمال بناء ومقدمي خدمات لأغنياء أجانب سيشترون العقارات الأبراجية المطلة على الساحل، مما يمسح تاريخ القطاع وهويته الديمغرافية.
تقويض القضاء الدولي ومصالح الدول الكبرى
ينبه المقال إلى أن إسرائيل قد لا تواجه أي محاسبة فعلية أمام القضاء الدولي جراء مقتل أكثر من 70,000 شخص واعتراف جيشها بذلك، وذلك بسبب المظلة السياسية التي توفرها واشنطن.
رغم صدور أفكار ومذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يواف غالانت، تواصل الولايات المتحدة تقويض سلطة المحكمة الجنائية الدولية.
حتى لو أدانت محكمة العدل الدولية إسرائيل بالدعوى المرفوعة من جنوب أفريقيا، فإن تنفيذ القرار يتطلب موافقة مجلس الأمن الدولي، حيث تمتلك واشنطن حق النقض (الفيتو).
بالإضافة إلى ذلك، تشير “نيويورك تايمز إنترناشونال” إلى أن عدة دول غربية وإقليمية تجد لنفسها مصالح في تجنب محاسبة إسرائيل؛ فمن جهة، ارتفعت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية بنسبة 30% لتسجل رقماً قياسياً بلغ 19.2 مليار دولار اعتماداً على تسويق أسلحتها الكفاءة الميدانية، وتستفيد دول مثل ألمانيا (ثاني أكبر مورد سلاح لإسرائيل) والدنمارك وبريطانيا وفرنسا من اتفاقيات أمنية واقتصادية وتجارية. وفي الوقت نفسه، انضمت دول إقليمية ودولية متعددة لمجلس السلام رغبة في توثيق العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن.
تخلص القراءة القانونية لبارتوف إلى أن الخطر الأكبر لعدم محاسبة الجناة في غزة هو إنشاء “سابقة دولية” تُبطل الفلسفة التي تأسست عليها اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948 التي صاغها رافائيل لمكين. فبدلاً من أن تكون الإبادة الجماعية جريمة منبوذة ومحرمة، أصبحت تُعرض أمام العالم كسياسة “مربحة ومقبولة” لتحقيق مكاسب إقليمية وعقارية، وهو ما ينذر بعصر جديد يُنتزع فيه مغزى القانون الدولي الإنساني وتُفتح فيه الأبواب أمام القوى الكبرى للإفلات التام من العقاب.
