منذ الحرب العالمية الثانية، اعتمدت الولايات المتحدة نظامًا يقوم على مراجعة الأقران لتحديد المشاريع العلمية المستحقة للتمويل الفيدرالي، ما جعلها مركزًا عالميًا للبحث والابتكار. لكن قاعدة جديدة مقترحة من مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض تهدد هذا الإرث، إذ تمنح سلطة أوسع للمسؤولين السياسيين على حساب الخبراء العلميين.
القاعدة المقترحة تشترط أن تخضع المنح الفيدرالية لمراجعة سياسية لضمان توافقها مع أولويات الرئيس.
المشاريع التي تتناول قضايا التنوع والعدالة والمساواة قد تصبح غير مؤهلة للتمويل.
تمنح القاعدة صلاحيات لتعليق أو إلغاء المنح في أي وقت، وتفرض قيودًا على التعاون مع باحثين من دول مثل الصين وروسيا.
أكثر من 88% من التعليقات العامة على القاعدة عبّرت عن رفضها، بحسب تحليل أجرته واشنطن بوست.
نحو 300 منظمة علمية وتعليمية وجّهت رسالة إلى الإدارة تطالب بمزيد من الوقت لمراجعة القاعدة، محذّرة من أثرها “الواسع”.
باحثون بارزون، مثل ستيفن فاربر من جامعة جونز هوبكنز، اعتبروا أن القرار “جرح ذاتي” للبنية التحتية العلمية الأميركية.
حتى بعض الجمهوريين، مثل السيناتور سوزان كولينز، حذّروا من أن القاعدة ستضر المجتمعات الصغيرة والريفية وتضعف البحث العلمي.
المخاوف الأساسية
إدخال “عدسة سياسية” على منح التمويل يعني أن الأولويات ستتبدل مع كل إدارة جديدة، وأن المشاريع قد تُقطع في منتصف الطريق. هذا ليس مجرد خلل إداري؛ إنه ارتجاج استراتيجي في وقت تخوض فيه أميركا سباقًا مع الصين وأوروبا على قيادة الثورة العلمية والتكنولوجية.
الصين تستثمر مليارات في الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا، وأوروبا تضع سياسات طويلة الأمد للبحث والابتكار. بينما واشنطن، بدلًا من تعزيز بنيتها العلمية، تختار أن تربطها بمزاج سياسي متقلب.
إمكانية سحب التمويل في منتصف المشاريع تهدد بإغلاق مختبرات كاملة وتعطيل التجارب السريرية.
النتيجة المباشرة ستكون هجرة الباحثين الشباب إلى الخارج، كما بدأت بالفعل بوادرها في الجامعات الأميركية. هذه ليست مجرد خسارة أفراد، بل خسارة استثمارات ضخمة في تدريبهم، وخسارة مستقبلية في براءات اختراع وصناعات بمليارات الدولارات.
حين يشعر الباحث أن مستقبله مرهون بقرار سياسي لا علاقة له بجودة عمله، فإن الخيار الطبيعي هو الرحيل إلى بيئة أكثر استقرارًا.
القاعدة لا تمس البحث العلمي فقط، بل تمتد إلى منح للبنية التحتية، الإسكان، والنقل. أي تراجع في هذه المجالات سيضعف القدرة التنافسية الأميركية داخليًا وخارجيًا. في سباق عالمي على بناء “الاقتصاد القادم”، لا يمكن لدولة أن تربط تمويلها العلمي بمزاج سياسي قصير الأمد.
ما يُطرح اليوم ليس مجرد تعديل تنظيمي، بل مقامرة بمستقبل الهيمنة العلمية الأميركية. إذا مضت واشنطن في هذا الطريق، فإنها تخاطر بأن تفقد موقعها لصالح منافسين يعرفون أن العلم لا يُدار بالولاء السياسي، بل بالاستثمار طويل الأمد في المعرفة والابتكار.
