الرئيسية العالم الحكومة الامريكية تشجع قطاع الأعمال لإنتاج الصواريخ الفرط صوتية الرخيصة

الحكومة الامريكية تشجع قطاع الأعمال لإنتاج الصواريخ الفرط صوتية الرخيصة

0
تشجع قطاع الأعمال لإنتاج الصواريخ الفرط صوتية الرخيصة

تواجه الإستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة أزمة كفاءة إنتاجية حادة، تجسدت ملامحها في التقارير الإستراتيجية الأخيرة التي كشفت عن استنزاف واشنطن لنحو ثلث مخزونها من صواريخ “توماهوك” المجنحة في الحرب المستعرة مع إيران. ولم تعد المعضلة تكمن في كفاءة الصاروخ التكتيكية، بل في قدرة القاعدة الصناعية الدفاعية على التعويض؛ إذ تشير تقديرات “مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” (CSIS) إلى أن إعادة ملء المخازن الأمريكية وتأمينها قد يستغرق أربع سنوات كاملة.

وأثار هذا البطء الإجرائي والتصنيعي مخاوف عميقة لدى مخططي البنتاغون؛ ففي حال أقدم الرئيس الصيني شي جين بينغ على تفعيل خياره العسكري واجتياح تايوان، ستجد القوات الأمريكية نفسها أمام عجز صارخ في الذخائر الذكية الحيوية. وهذا الواقع دفع خصوم الرئيس دونالد ترامب إلى التشكيك بجدوى المغامرة العسكرية في الشرق الأوسط، بينما ذهب الجناح الأكثر انهزامية في واشنطن إلى الترويج لفكرة حتمية القبول بـ “العالم متعدد الأقطاب” والتسليم بتراجع النفوذ الأمريكي لصالح الصين وروسيا.

لكن في مقابل هذا الشلل البيروقراطي، تحرك نظام المشروعات الحرة الأمريكي لتطوير بدائل إستراتيجية سريعة. ووفقاً لما كشفته مقابلة موسعة نشرتها صحيفة “وال ستريت جورنال” (The Wall Street Journal) الأمريكية مع رواد تكنولوجيا الدفاع، فإن مليارات الدولارات من رؤوس الأموال الخاصة بدأت تتدفق بمرونة خارج إطار البنتاغون التقليدي، مستهدفةً صناعة طائرات مسيرة، وأنظمة ميكروويف مضادة للمسيرات، وصواريخ متطورة قادرة على مواجهة النمط الجديد للحروب الذي ظهر بوضوح في أوكرانيا وإيران.

فجوة الصواريخ الفرط صوتية: التفوق الصيني في “معادلة التبادل الاقتصادي”
وتمثل العقبة الأكبر في الترسانة الأمريكية حالياً في الافتقار إلى صواريخ فرط صوتية قادرة على الإنتاج الكمي الرخيص. وفي تفاصيل المقابلة الصحفية التي أجرتها عضو هيئة التحرير كيت ب. أوديل مع بايرون هارجيس، المؤسس المشارك لشركة “كاستيليان” (Castelion)، تبين أن الولايات المتحدة ظلت لفترة طويلة تتعامل مع الصواريخ الفرط صوتية بوصفها “مشروعاً علمياً تخصصياً ونخبوياً”، مضيفاً: “نحن متقدمون للغاية في التقنيات المعقدة وعالية الجودة، لكننا متخلفون بشكل مزرٍ من حيث سرعة التطوير، والقدرة الإنتاجية، والتكلفة المالية”.

وأوضح هارجيس عبر “وال ستريت جورنال” أن الحروب الحديثة تحسمها في النهاية “معادلة التبادل الاقتصادي”؛ أي قدرة الدولة على إنتاج سلاح فتاك بتكلفة ضئيلة تسمح باستنزاف المنظومات الدفاعية للعدو التي تكلف مليارات الدولارات. واعترف بصراحة قاسية بأن الصين تفوق أمريكا تماماً في هذا المضمار؛ إذ كشفت بكين عن ثلاثة صواريخ فرط صوتية جديدة دفعة واحدة في عرض يوم النصر الأخير، في حين تواصل روسيا إنتاج ونشر ترسانتها الفرط صوتية بمعدلات أسرع بكثير من واشنطن، مستغلة أسلحة “رخيصة وفعالة وقابلة للبناء السريع” وإن لم تطابق معايير الجودة الأمريكية الرفيعة.

“بلاك بيرد”: كسر حاجز الدفاعات الصينية بـ 3% من التكلفة التقليدية
ولسد هذه الفجوة الصاروخية الخطيرة، أبرم البنتاغون في مايو/أيار الماضي إطار عمل جديداً لشراء الصاروخ الفرط صوتي منخفض التكلفة الذي طورته كاستيليان والمعروف باسم “بلاك بيرد” (Blackbeard)، مع خيار لشراء ما يصل إلى 12,000 صاروخ في السنوات المقبلة لتسليح حاملات الطائرات قبل حلول عام 2027، وهو الموعد الذي حدده شي جين بينغ لجهوزية جيشه لغزو تايوان.

وأكد أندرو كرايتس، الشريك المؤسس للشركة، في ذات المقابلة، أنهم يخوضون “سباقاً سريعاً لإنتاج أكبر عدد ممكن من الصواريخ في أسرع جدول زمني متاح”. ورغم التكتم على التفاصيل الفنية للصاروخ، إلا أن طبيعته الفرط صوتية (التي تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت) وقدرته العالية على المناورة تجعله السلاح الأمثل لاختراق الفقاعة الدفاعية لجيش التحرير الشعبي الصيني في المحيط الهادئ.

وتكمن الميزة الكبرى لصاروخ “بلاك بيرد” في سعره الاقتصادي الصادم؛ إذ تشير وثائق الميزانية العامة إلى أن تكلفة الصاروخ الواحد تقل عن 500 ألف دولار. ووصف رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، روجر ويكر، هذا الصاروخ بالصفقة المربحة للغاية، مؤكداً أنه يعادل 3% فقط من تكلفة البرامج الصاروخية الفرط صوتية التقليدية والفاخرة التي يطورها البنتاغون حالياً.

“يعادل صاروخ بلاك بيرد نحو 3% فقط من تكلفة البرامج الصاروخية الفرط صوتية التقليدية الفاخرة التي يطورها البنتاغون، مما يسمح بإنتاج كمي كثيف يكسر طغيان المسافة في المحيط الهادئ”.

إعادة صياغة العقيدة التصنيعية: ثورة في سلاسل الإمداد العسكري
ونجحت كاستيليان، التي تبني حالياً مصنعاً ضخماً في ولاية نيو مكسيكو لتسليم الدفعات الأولى بحلول العام المقبل، في إعادة صياغة مفهوم التصنيع العسكري؛ حيث أوضح كرايتس أن اجتماعات مراجعة التصميم في الشركة لا تقتصر على سؤال “هل تعمل هذه القطعة؟”، بل تركز بالدرجة الأولى على: “كيف نصنع 5,000 أو 15,000 وحدة منها؟ وأين يمكن أن تنكسر سلاسل الإمداد؟”. ولهذا السبب، تعمد الشركة إلى البحث عن قطع غيار ومكونات عالية الوفرة ورخيصة الثمن من خارج قطاع صناعات الطيران والفضاء التقليدي المأزوم.

وامتدت مرونة الصاروخ الجديد لتدخل في تعاقدات مع الجيش الأمريكي لدمجه مع راجمات الصواريخ الشهيرة “هيمارس” (HIMARS)، إلى جانب العقد المبرم مع البحرية بقيمة 105 ملايين دولار لدمجه مع مقاتلات F/A-18. ويستهدف هذا الدمج توفير نظام صاروخي موحد يعمل براً وجواً بالحد الأدنى من التعديلات، مما يسمح بضرب المنصات الصينية المتحركة التي تتبع أسلوب “الضرب والفرار” (Shoot and Scoot) خلال دقائق معدودة، وهو ما تعجز عنه صواريخ كروز التي تستغرق ساعتين لقطع المسافة ذاتها، مما يعطي العدو وقتاً كافياً للاختفاء.

الخلاصة: “سيليكون فالي” يدخل المعركة والاستعداد backstopped بالقوة
وعزت المقابلة الصحفية هذا التحول الإستراتيجي الجارف إلى التغير الجذري في النظرة العسكرية داخل أروقة الاستثمار في “سيليكون فالي”. فقبل عقد من الزمان، كانت البنوك والصناديق الاستثمارية ترفض تمويل شركات السلاح وتصنفها في خانة الأنشطة المحظورة كالقمار، ظناً منها أن العالم دخل حقبة السلام الدائم بعد الحرب الباردة.

لكن الصدمة المزدوجة المتمثلة في القفزة العسكرية المرعبة للصين في نهاية العقد الماضي، يعقبها اندلاع أكبر حرب برية في أوروبا منذ عام 1945 في أوكرانيا، عرت هشاشة وجمود القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية التقليدية. وأدرك المستثمرون أن تريليونات الدولارات المستثمرة في القطاعات التكنولوجية والتجارية المدنية لن تساوي شيئاً إذا انهارت المظلة الأمنية والعسكرية الفوقية للبلاد.

وخلص بايرون هارجيس في ختام أطروحته عبر “وال ستريت جورنال” إلى رسالة حاسمة موجهة لدوائر صنع القرار والشركاء الدوليين، مؤكداً أن صياغة قوة ردع صاروخية هائلة وقابلة للتجديد بأسعار معقولة هي السبيل الوحيد لمنع بكين وموسكو من التفكير في المغامرة، ومشدداً على أن “النجاح الاقتصادي والثقافي للولايات المتحدة عبر العالم مدعوم ومحمي في نهاية المطاف بفضيلة نجاحنا العسكري وقدرتنا الرادعة المستمرة”.

لا يوجد تعليقات

اترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

Exit mobile version