نشأ نجم هوكي الجليد الأمريكي، جاك هيوز، في ولاية ميشيغان الشغوفة بهذه اللعبة، وكان يؤمن -مثل أي مواطن أمريكي آخر- أن اللاعب الذي سيقود المنتخب الوطني للرجال لإحراز أول ميدالية ذهبية أولمبية منذ الإنجاز الأسطوري “معجزة على الجليد” (Miracle on Ice) عام 1980، سيتحول فوراً إلى بطل قومي يعشقه الملايين مدى الحياة.
وبالفعل، وفي فبراير/شباط الماضي، أحرز هيوز هدف الفوز القاتل في الوقت الإضافي ليتغلب المنتخب الأمريكي على نظيره الكندي في مباراة ملحمية نُزعت فيها أسنان هيوز الأمامية من شدة الالتحام. لكن بحسب تقرير تحليلي موسع نشره الكاتب ومحلل الشؤون الرياضية والسياسية ويل ليتش في صحيفة “واشنطن بوست” (The Washington Post) الأمريكية، فإن طاقة الحب والبهجة القومية التي كان ينتظرها البطل الشاب لم تدم سوى ساعتين اثنتين فقط.
وتطرق ويل ليتش في معرض مقاله بـ “واشنطن بوست” إلى العاصفة التي دارت في كواليس الاحتفالات داخل غرفة تبديل الملابس؛ فبينما كان مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي المثيـر للجدل، كاش باتيل، يحتفل صاخبًا مع اللاعبين، تلقى الفريق اتصالاً هاتفياً من الرئيس دونالد ترامب لتهنئتهم. وكعادتة، وبأسلوبه الفريد، لم يخلُ حديث ترامب من توجيه إهانة للمنتخب النسائي الأمريكي الحائز على الميدالية الذهبية أيضاً.
وتفاعل هيوز وبقية زملائه بالضحك حيال دعابة الرئيس، وهو رد فعل لم يكن موفقاً من الناحية الجماهيرية، وإن كان من الصعب مطالبة لاعبين شباب تتدفق في عروقهم الأدرينالين بصياغة دفاع عفوي ومرتجل عن الرياضة النسائية عبر مكالمة هاتفية سريعة. وفي لمح البصر، تحول هؤلاء الشباب من أبطال فاتحين إلى محاربين غير متوقعين في أتون “الحرب الثقافية” الأمريكية المستعرة التي لا ترحم؛ ليمضوا الأسبوع التالي بأكمله في الدفاع عن أنفسهم ضد اتهامات معادية للمرأة دون جدوى.
كأس العالم 2026: ترامب في قلب المشهد العالمي
وتكتسب هذه الحادثة أهمية إستراتيجية بالغة وخطيرة هذا الأسبوع، مع انطلاق منافسات المنتخب الأمريكي للرجال (USMNT) في بطولة كأس العالم 2026 المقامة على الأراضي الأمريكية؛ حيث استهل الفريق مشواره يوم الجمعة الماضي بمواجهة باراغواي، تليها مواجهة أستراليا في 19 يونيو، ثم تركيا في 25 يونيو، على أمل العبور نحو الأدوار النهائية. ورغم أن منتخب كرة القدم لا يملك ذات الحظوظ التاريخية لمنتخب الهوكي، إلا أنه يمتلك موهبة فذة ويلعب مدعوماً بجماهيره على أرضه.
ولفت الكاتب ويل ليتش في صحيفة “واشنطن بوست” إلى أن الرئيس ترامب سيضع نفسه حتماً في صدارة المشهد طوال فعاليات المونديال؛ فالرئيس يرتبط بعلاقة وثيقة للغاية مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو -الذي يُعتقد أنه استحدث “جائزة فيفا للسلام” خصيصاً ليمنحها لترامب- ناهيك عن ظهوره المثير للجدل العام الماضي في صور تذكارية مع فريق تشيلسي الإنجليزي بعد فوزه بكأس العالم للأندية. ويُدرك ترامب تماماً أن المونديال سيمنحه منصة تعريض وظهور إعلامي عالمي يتجاوز حتى الألعاب الأولمبية؛ لذا سيحاول ربط اسمه بكل تفاصيل هذا الحدث الكبير.
معضلة الرياضي الأمريكي: إما متواطئ وإما خائن!
ويضع هذا الاندفاع الرئاسي لاعبي المنتخب الأمريكي في موقف مستحيل أشبه بالسير في حقل ألغام؛ فإذا أبدى اللاعب دعماً للرئيس، أو حتى إذا اكتفى بعدم توجيه انتقاد لاذع ومباشر له وجهًا لوجه، فسيُصنف فوراً من قِبل معارضي ترامب بأنه “متواطئ”. أما إذا تجرأ وانتقد الرئيس، أو أظهر مجرد ملامح ارتباك أو عدم ارتياح في حضوره -كما حدث مع النجم وستون مكيني- فسيُتهم بأنه “غير أمريكي” ومعادٍ للوطن.
وبحسب رؤية ليتش المنشورة في “واشنطن بوست”، فإن المصير المهني للاعبين بات يتأرجح بين نموذج جاك هيوز، ونموذج المتزلج الأولمبي الأمريكي هانتر هيس، الذي تحول إلى مادة للهجوم العنيف عبر شبكة “فوكس نيوز” لمجرد أنه صرح بجرأة بأنه لا يشعر بأنه “يمثل كل ما يحدث في الولايات المتحدة من سياسات”. في هذا المناخ الاستقطابي الحاد، لا يمكن لأي رياضي أن يخرج فائزاً.
هروب النجوم من المعترك السياسي: دروس ليبرون رودجرز
وظهرت بوادر هذا الانقسام بالفعل داخل قائمة المنتخب الحالي؛ فقد تعرض المهاجم النجم كريستيان بوليسيتش لهجوم ضارٍ من الجناح الليبرالي لقيامه بـ “رقصة ترامب” الشهيرة للاحتفال بهدف سجله عقب انتخابات 2024. وفي المقابل، نال لاعب خط الوسط المحوري، وستون مكيني، نصيبه من الهجوم من الجناح المحافظ، ليس فقط لظهوره عابس الوجه بجانب ترامب، بل لاستدعاء تصريحاته القديمة عام 2020 التي وصف فيها ترامب بـ “العنصري”.
وأمام هذا الضغط الخانق، أوضح الكاتب أن الوسط الرياضي يشهد حالياً موجة عزوف وهجرة جماعية عن النشاط السياسي والاجتماعي الذي بلغ ذروته عام 2020. وحتى أساطير بحجم ليبرون جيمس، الذي كان صوتاً هادراً في القضايا السياسية، تعلموا أن النأي بالنفس عن هذا المعترك يوفر الكثير من الصداع والأزمات المهنية. وكذلك الأمر مع النجم آرون رودجرز، الذي كان يوماً مرشحاً محتملاً ليكون نائباً لروبرت كينيدي جونيور في سباق الرئاسة، إذ يلوذ بالصمت التام هذه الأيام.
لكن ويل ليتش يؤكد في مقاله أن الصمت يبدو خياراً صعباً للغاية عندما ترتدي قميصاً يحمل شعار “منتخب أمريكا”؛ فمجرد وجود عبارة (Team USA) بجانب اسمك يقحمك في الحرب رغماً عنك، بغض النظر عن ماهية وتعريف “الوطن” في هذه اللحظة التاريخية المتشظية.
وخلص التقرير المنشور في صحيفة “واشنطن بوست” إلى إبداء أسف شديد على هذا الواقع؛ كون المنتخب الحالي يمثل الجيل الأكثر موهبة ونقاءً في تاريخ كرة القدم الأمريكية، وقد أظهر مستويات مبشرة في مبارياته الاستعدادية الأخيرة ضد السنغال وألمانيا.
ويرى ليتش في أطروحته أن تشجيع المنتخب الأمريكي لكرة القدم يحمل متعة خاصة؛ لأن الفريق يجسد الصورة التي يعشقها الأمريكيون عن أنفسهم لكنهم نادراً ما يكونونها: صورة “الطرف الأضعف المستميت” (The Underdog). نحن نتصرف كـ “الإمبراطورية العظمى” في كل شيء، لكننا نقنع أنفسنا دائماً بأننا “روكي بالبوا” المكافح.
ويمثل المونديال الحالي، وهو الأول الذي يقام على أرض أمريكية منذ نسخة عام 1994 التاريخية التي أسست لشعبية اللعبة في البلاد، فرصة مثالية للالتفاف الشعبي حول فريق واحد. لكن ويل ليتش يختتم مقاله بمرارة مشيراً إلى أن المجتمع الأمريكي بات عاجزاً عن منح الحب غير المشروط لأي شيء اليوم؛ فالجميع مشغولون للغاية بمحاربة بعضهم البعض، لدرجة تمنعهم من منح هذا الفريق الشاب -أو منح أنفسهم- فرصة حقيقية للاحتفال والوحدة والتسامي فوق الخلافات السياسية الضيقة.
