تعيش أجهزة الاستخبارات ومكافحة الجاسوسية الدولية حالة استنفار غير مسبوقة مع تكثيف بيكين لأنشطتها التجسسية عبر أنحاء العالم؛ حيث أدى النهج التوسعي للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى سقوط عدد متزايد من الجواسيس والعملاء المشتبه بهم في قبضة السلطات الأمنية لدى العديد من الدول.
وفي تقرير ميداني موسع أعدته الكاتبة ديدي كيرستين تاتلو ونشرته مجلة “نيوزويك” (Newsweek)، أظهرت سلسلة التوقيفات والاعترافات القضائية الأخيرة حجماً غير مسبوق لشبكات التجسس الصينية المتشعبة، والتي باتت تستهدف الاختراق السياسي، والتجسس العسكري، وسرقة التكنولوجيا المتقدمة.
كشفت التحقيقات القضائية في الولايات المتحدة عن قضايا اختراق نوعية استهدفت المؤسسات السياسية والمحلية.
في قضية توماس بوكين، أقر الصحفي الأمريكي بوكين بالذنب لعمله كعميل لصالح وزارة أمن الدولة الصينية (MSS)، حيث تقاضى ما لا يقل عن 100,000 دولار كجسر لاختراق الأوساط السياسية الأمريكية وجمع معلومات استخباراتية عن أهداف أمريكية لصالح مشغليه. وصرح رومان روزهافسكي، المساعد التنفيذي لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، بأن الحادثة تُبرز «المدى الذي قد تذهب إليه الصين لتقويض المؤسسات الديمقراطية».
وفي قضية إيلين وانغ، وافقت عمدة مدينة أركاديا بولاية كاليفورنيا على الإقرار بالذنب بتهمة العمل كعميلة غير قانونية للصين، حيث عملت بتوجيه من مسؤولين حكوميين صينيين لتعزيز مصالح بيكين عبر منصات إعلامية موجهة للجالية الصينية الأمريكية.
وفي هذا السياق، أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل في منشور عبر منصة (X) عن إلقاء القبض على 113 جاسوساً أجنبياً مع ارتفاع عمليات الاعتقال المرتبطة بمكافحة الجاسوسية بنسبة 53%، مشيراً إلى أن المكتب أجبر 62 جاسوساً صينياً على المغادرة خلال عام 2026 وحده، مما وجه ضربة قاصمة لعمليات التغطية العميقة لبيكين.
لا تقتصر الأنشطة الاستخباراتية على الساحة الأمريكية، بل امتدت لتشمل حلفاء الغرب في مختلف القارات عبر استراتيجية يصفها الخبراء بـ “إغراق المنطقة”.
في النرويج، ألقت السلطات القبض على مواطنة صينية حاولت استيراد جهاز استقبال أقمار صناعية يزن 22 طناً إلى جزيرة تُجرى فيها عمليات إطلاق صواريخ حساسة، وهي عملية يُرجح أنها أُديرت بواسطة كوادرب مدربة تابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني (PLA).
في ألمانيا، أُلقي القبض على زوجين ألمانيين للاشتباه في عملهما لصالح جهاز استخباراتي صيني يستهدف جمع معلومات تقنية وعلمية ذات استخدامات عسكرية.
في كوريا الجنوبية، تمت إدانة مواطنين صينيين لالتقاطهما صوراً لقواعد عسكرية مشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة ومطارات مدنية، في أول تطبيق لقانون الجاسوسية العام في البلاد ضد رعايا أجانب.
ينقل التقرير عن خبير الجاسوسية آي-تشونغ لاي، رئيس مؤسسة “بروسبيكت” في تايوان، وماتيو برازيل، الباحث في معهد “جيمس تاون”، أن المنظومة الاستخباراتية الصينية تتميز بضخامتها وتعدد أجهزتها؛ حيث تشير التقديرات إلى أن وزارة أمن الدولة الصينية (MSS) تضم نحو 100,000 عنصر، فيما ترجح أبحاث ألمانية حديثة أن أعداد أجهزة الأمن بكافة أفرعها قد تصل إلى 800,000 عضو.
وتتنوع أدوات التجسس لتشمل الأجهزة الميدانية، مثل أجهزة أمن الدولة، ووزارة الأمن العام، وأجهزة الاستخبارات العسكرية المتخصصة (قوات الدعم المعلوماتي، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الجوي).
زتشمل أدوات غير التقليدية مثل دائرة عمل الجبهة المتحدة، والطلاب، والمغتربين الذين يُجمعون المعاملات والمعلومات التفصيلية لتجميعها في المقرات الرئيسية.
وتعود أسباب هذا التصعيد الاستخباراتي إلى شعور بيكين بالضعف الاقتصادي الداخلي، وتزايد القيود الغربية على نقل التكنولوجيا الحديثة. ولأن القيادة الصينية ترَى أن الحسم في الصراع الدولي يتوقف على القدرة العلمية والتكنولوجية، فإنها تعوض هذا النقص بتكثيف عمليات التجسس وسرقة الابتكارات، مستغلة ما تراه تراجعاً في التماسك الداخلي للدول.
