تداعت مؤشرات الاستقرار الهش في منطقة الخليج العربي على وقع موجة جديدة من التصعيد العسكري المتبادل، وسط مخاوف دولية متزايدة من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد مرور أقل من أسبوعين فقط على توقيعه؛ حيث تحول الغموض القانوني في صياغة الاتفاق إلى ذريعة ومحفز لكلا الطرفين لفرض أمر واقع على الأرض.
كشف تقرير استراتيجي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) أن نقطة الخلاف الجوهرية تفجرت في مضيق هرمز عقب قيام القوات الإيرانية باستهداف سفينة حاويات تجارية، رداً على محاولات فرض مسار ملاحي بديل مدعوم أمريكياً يحاذي الساحل العُماني؛ حيث بررت طهران تحركاتها بالاستناد إلى بند في مذكرة التفاهم يطالبها بـ “بذل قصارى جهدها لضمان الممر الآمن”، وهو مصطلح فضفاض فسرته الإدارة الإيرانية عسكرياً بأنه يمنحها الحق الحصري في إدارة حركة المرور وتحديد مسارات السفن في المضيق، بل وفرض رسوم مالية تحت مسمى “أجور خدمات”.
قصف متبادل يهدد مسار المفاوضات
شهدت الساعات الماضية تدهوراً متسارعاً كاد يعصف بالقنوات الدبلوماسية المشتركة؛ حيث اتخذت الأحداث مساراً تصاعدياً تمثل في ثلاث محطات رئيسية:
أولاً: الرد الأمريكي العسكري: شنت القوات الأمريكية ضربات انتقامية واسعة استهدفت مواقع الرادارات الساحلية ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة داخل الأراضي الإيرانية.
ثانياً: اتساع رقعة الاستهداف الإقليمي: تعرضت مملكة البحرين للهجوم بطائرات مسيرة انطلقت من الجانب الإيراني، مما عكس هشاشة الموقف الأمني للحلفاء في المنطقة.
ثالثاً: تضارب الأنباء حول قنوات الاتصال: نفى الحرس الثوري الإيراني جملة وتفصيلاً تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بشأن إنشاء “خط ساخن” بين جيشي البلدين لخفض التصعيد.
معضلة الستين يوماً: تكتيك مؤقت أم مبدأ دائم؟
أظهرت القراءة التحليلية للمواقف الدبلوماسية انقساماً راديكالياً بين واشنطن وطهران حول تفسير المدى الزمني للاتفاق؛ فبينما تصر وزارة الخارجية الأمريكية، على لسان وزيرها ماركو روبيو، على أن “العبور الحر والخالي من الرسوم” هو مبدأ دائم وثابت لا يحق لأي دولة مساسه، ترى طهران —عبر قادتها العسكريين ومستشاري المرشد الأعلى— أن مهلة الستين يوماً الواردة في المذكرة ليست سوى “هدنة تكتيكية مؤقتة” وافقت عليها لتخفيف الضغوط الاقتصادية، مؤكدة أن أي انتهاك أمريكي لبنودها سيواجه برد سريع وحاسم.
باتت التهدئة الراهنة تواجه خطراً حقيقياً بالانهيار التام على طاولة المفاوضات، في ظل سعي كل طرف لاستغلال “المرونة المتعمدة” في نصوص الاتفاق الأولي لتحقيق مكاسب استراتيجية قبل الوصول إلى الصيغة النهائية؛ الأمر الذي يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتأرجح بين سلام مؤقت تتقاسمه الهواجس، أو العودة الشاملة إلى مربع المواجهة العسكرية المفتوحة في الممرات المائية الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
