الرئيسية صحة تفشٍّ غامض على متن سفينة سياحية يسلط الضوء على “فيروس أنديز” النادر

تفشٍّ غامض على متن سفينة سياحية يسلط الضوء على “فيروس أنديز” النادر

0
فيروس هانتا يثير قلقا عالميا

في مطلع شهر مايو الجاري، تلقّت الدكتورة لوسيل بلمبرج، خبيرة الأمراض المعدية في المعهد الوطني للأمراض المنقولة في جنوب أفريقيا، بريداً إلكترونياً عاجلاً من زميل بريطاني قلب عطلتها رأساً على عقب. كان الفحوى: إجلاء راكب من سفينة سياحية نائية نُقل جواً إلى مستشفى قريب وهو يعاني من أعراض التهاب رئوي حاد وفشل تنفسي.

لم تكن بلمبرج تعلم حينها أن هذا الاتصال سيكون الخيط الأول للكشف عن أول تفشٍّ مسجل لـ “فيروس أنديز” (Andes virus) – أحد أنواع فيروسات الهانتا القاتلة – على متن سفينة سياحية في التاريخ، وهو الحدث الذي يضع نظام الاستجابة للأزمات الصحية العالمي في اختبار حقيقي جديد بعد جائحة كوفيد-19.

بدأت الحكاية في الأول من أبريل الماضي، عندما أبحرت السفينة السياحية الصغيرة “إم في هونديرس” (MV Hondius) من ميناء أوشوايا الأرجنتيني في رحلة لاستكشاف الأنظمة البيئية النائية.

الحالة صفر: في 6 أبريل، ظهرت أعراض الحمى على راكب هولندي يبلغ من العمر 70 عاماً، وتوفي سريعاً في 11 أبريل. الراكب وزوجته (التي توفيت لاحقاً أيضاً) يُعتقد أنهما أصيبا بالفيروس أثناء سفرهما في الأرجنتين قبل ركوب السفينة.

انتقال العدوى: بدلاً من توقف الإصابات، بدأت الأعراض تظهر على ركاب آخرين وطبيب السفينة خلال الأسابيع التالية، مما أثار الشكوك حول انتقال الفيروس بين البشر داخل البيئة المغلقة للسفينة.

الحصيلة الحالية: أصيب ما لا يقل عن 9 ركاب بالفيروس، وتوفي منهم 3 أشخاص حتى الآن.

ما هو فيروس أنديز؟
هو نوع من “فيروسات الهانتا” تنقله القوارض في الأرجنتين وتشيلي، ويتسبب في متلازمة هانتا الرئوية (HPS). يتميز الفيروس بـ:

نسبة فتك عالية: تصل إلى 50%.

غياب العلاج: لا توجد علاجات نوعية له سوى دعم الرئتين عبر الأكسجة الغشائية خارج الجسم (ECMO).

ميزة نادرة: على عكس بقية فيروسات الهانتا، يمتلك “أنديز” قدرة فريدة على الانتقال من إنسان إلى آخر عبر الرذاذ أو التنفس.

بعد سلسلة فحوصات سلبية للأمراض الشائعة مثل الليجيونيلا وإنفلونزا الطيور، نجح فريق الدكتورة بلمبرج في تأكيد الإصابة بفيروس الهانتا.

ولاحقاً، أكد دامياند تولي، الباحث في مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة، أن التحليل الجيني لعينات أربعة مرضى أظهر تطابقاً شبه تام في التسلسل الفيروسي، مما يثبت بشكل قاطع أن الفيروس انتقل من شخص لآخر على متن السفينة، ولم يكن نتيجة إصابات منفصلة قبل الصعود.

ومع ذلك، حملت النتائج الجينية دلالة مطمئنة؛ فالفيروس لم يتحور ليكون أكثر خطورة أو أسرع انتشاراً، بل ينتمي إلى سلالة مستقرة ومعروفة سابقاً.

استجابة دولية مرتبكة وعزل مشدد
بعد أيام من القلق والترقب، رست السفينة في جزيرة تينيريفي الإسبانية، حيث جرى إجلاء الركاب وأفراد الطاقم وسط إجراءات صحية صارمة ونقلهم عبر طائرات خاصة إلى بلدانهم.

وعلى الرغم من طمأنة الخبراء بأن الفيروس لن يتسبب في وباء عالمي لضعف معدل تفشيه مقارنة بكوفيد-19، إلا أن غياب “بروتوكول موحد” للتعامل مع معزولي هذا الفيروس تسبب في تباين الاستجابات الدولية:

منظمة الصحة العالمية: أوصت بحجر صحي صارم لمدة 42 يوماً (نظراً لأن فترة حضانة الفيروس قد تمتد إلى 8 أسابيع).

بريطانيا: فرضت حجراً مدته 45 يوماً على رعاياها العائدين.

كندا: اكتفت بطلب عزل منزلي لمدة 21 يوماً.

الولايات المتحدة: نقلت الركاب إلى منشأة حجر صحي متخصصة في المركز الطبي لجامعة نبراسكا لتقييم حالتهم.

اختبار دولي صامت ونقص في التمويل
يرى عالم الأوبئة مايكل أوسترهولم، من جامعة مينيسوتا، أن هذا التفشي “ليس أزمة دولية، لكنه بمثابة اختبار حقيقي لقدرة النظام العالمي على الاستجابة للأزمات الصحية”.

وفي السياق ذاته، دعت اللجنة المستقلة للاستعداد والاستجابة للأوبئة (المشكلة بعد كوفيد-19) إلى مراجعة شاملة لتقييم ما إذا كان ينبغي تطبيق إجراءات احترازية أكثر صرامة فور تسجيل الوفاة الأولى على السفينة في منتصف أبريل.

ويأتي هذا الحادث ليسلط الضوء على تهميش الأبحاث المتعلقة بهذا الفيروس؛ حيث أشار الخبير غوستافو بالاسيوس من مدرسة إيكان للطب في “ماونت سيناي” إلى أن دراسة هذا الميكروب بطيئة وصعبة للغاية وتتطلب مختبرات ذات مستويات أمان قصوى، مؤكداً أن تمويل هذه الأبحاث كان شحيحاً للغاية “لأن الفيروس لم يكن يمثل مشكلة للعالم المتقدم… حتى الآن”.

لا يوجد تعليقات

اترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

Exit mobile version