تواجه الإدارة الأمريكية وحلفاؤها في منطقة الخليج العربي استحقاقات جيوسياسية معقدة في أعقاب دخول الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ. فبينما تحاول الأطراف التقاط الأنفاس بعد أشهر من الصراع العسكري، بدأت تتكشف أبعاد “حرب الظل” والدمار الذي طال البنية التحتية العسكرية الأمريكية؛ ما يفرض على البنتاغون إعادة تقييم شاملة لتموضعه واستراتيجيته الدفاعية في المنطقة لجيل كامل.
أفادت تقارير تحليلية ومصادر استخباراتية مطلعة، مدعومة بتحليلات صور الأقمار الصناعية التجارية، بأن المقر الرئيسي للعمليات البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط، المعروف بقاعدة “نشاط الدعم البحري البحرين” (NSA Bahrain)، تعرض لدمار واسع النطاق جراء الهجمات الصاروخية وبالمسيرات الإيرانية التي استهدفته بشكل متكرر بين أواخر فبراير وحزيران من العام الجاري.
ورغم محاولات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التقليل من شأن الآثار العملياتية للضربات، والتأكيد على عدم وقوع ضحايا بشرية بفضل إجلاء معظم الأفراد، إلا أن الأضرار المادية كانت بالغة العمق. وشملت الاختراقات الناجحة للمنظومات الدفاعية ما يلي:
تدمير مقر القيادة والسيطرة الرئيسي بالكامل
إلحاق أضرار جسيمة بما لا يقل عن 12 مبنى إدارياً ولوجستياً داخل القاعدة.
تدمير محطتين متطورتين للاتصالات عبر الأقمار الصناعية من طراز (AN/GSC-52B)، والتي تشكل عصب الاتصالات العسكرية الفورية في المنطقة.
وتشير تقديرات مراكز الأبحاث، وفي مقدمتها “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS)، إلى أن تكلفة إعادة إعمار المنشآت المتضررة في قاعدة البحرين وحدها تتجاوز 400 مليون دولار، بينما تتراوح الخسائر الإجمالية التي لحقت بنحو 20 موقعاً عسكرياً ودبلوماسياً أمريكياً في المنطقة ما بين 2.2 إلى 5.1 مليار دولار، وهي مبالغ لم تُدرجها الحكومة الأمريكية ضمن الحسابات المعلنة لتكلفة الحرب البالغة 29 مليار دولار.
خطط الانسحاب والتموضع غرباً
أمام هذا الواقع الميداني الجديد، كشف مسؤولون أمريكيون أن البنتاغون يدرس جديّاً تغيير استراتيجيته القائمة منذ أكثر من نصف قرن. وتتجه الأنظار الآن نحو تقليص الوجود العسكري التقليدي المكشوف في دول الخليج القريبة من السواحل الإيرانية، مثل الكويت والمملكة العربية السعودية، ونقل القواعد الحيوية أو وظائفها الأساسية باتجاه الغرب، لتكون خارج نطاق القوة الصاروخية الدقيقة والمسيرات الانقضاضية لطهران.
وتشمل الخطط المطروحة على طاولة النقاش:
التحصين تحت الأرض: نقل غرف القيادة والسيطرة وإدارة العمليات البحرية إلى منشآت محصنة تحت سطح الأرض.
التشتيت العسكري: توزيع القدرات العسكرية والقطع البحرية على نقاط متعددة بدلاً من تجميعها في قاعدة رئيسية واحدة تمثل هدفاً سهلاً.
إسرائيل كبديل محتمل: دراسة إمكانية نقل بعض المقرات أو المهام الجوية إلى إسرائيل، والتي استضافت بالفعل عشرات المقاتلات وطائرات التزويد بالوقود الأمريكية خلال فترة التصعيد.
جولة روبيو الدبلوماسية وانقسام الحلفاء
في إطار مساعي واشنطن لطمأنة حلفائها وتثبيت بنود الهدنة، أجرى وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، جولة دبلوماسية مكثفة شملت البحرين والإمارات والكويت. وأكد روبيو من المنامة التزام بلاده الصارم بأمن المنطقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز، واصفاً الهجمات الإيرانية بـ”غير المقبولة”.
ومع ذلك، حملت الجولة مؤشرات واضحة على تعمق الخلافات الجيوسياسية؛ إذ استثنى روبيو المملكة العربية السعودية من جولته، في خطوة فسرها مراقبون بأنها رد فعل على القيود التي فرضتها الرياض على استخدام الأجواء والقواعد الأمريكية خلال فترة الحرب، مما سرّع من رغبة واشنطن في مراجعة حجم ونوعية وجودها العسكري هناك.
طهران وتبني “دبلوماسية المكوس”
على الجانب الآخر، يبدو أن النظام في إيران لم ينجُ من المعركة فحسب، بل يسعى لترسيخ نفوذه الإقليمي وتحويل سيطرته العسكرية على مضيق هرمز إلى مكاسب مالية وسيادية طويلة الأجل.
وطرحت طهران -عبر جولات قادها كبير مفاوضيها محمد باقر قاليباف في سلطنة عمان ومحادثات غير معلنة مع بكين والقاهرة- مقترحاً يقضي بفرض رسوم عبور على السفن التجارية في مضيق هرمز تحت بند “خدمات السلامة والبيئة”، مستلهمة “نموذج الفرنك الذهبي” الذي تطبقه تركيا في مضيق الدردنيل. وتطمح طهران من خلال هذا المقترح لجني عوائد تقدر بنحو 40 مليار دولار سنوياً تقسمها مع دول الجوار، وهو ما رفضه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو واصفاً إياه بأنه “سابقة خطيرة ستنشر الفوضى في الممرات الدولية”.
بينما يرى الجناح الراديكالي في طهران أن الحرب أثبتت قدرة إيران على فرض إرادتها ومقاومة الحصار الأمريكي، يرى الخبراء العسكريون أن التكنولوجيا الهجومية التي طورتها طهران على مدار عقد كامل نجحت في كشف مواطن الضعف في الهيكل الدفاعي الأمريكي التقليدي. إن القرارات التي ستتخذها واشنطن خلال الأشهر القادمة — بشأن ما ستبنيه وما ستهجره — لن تعيد صياغة شكل الأسطول الخامس فحسب، بل ستحدد ملامح التوازن العسكري في الشرق الأوسط لعقود مقبلة.
