في تحول هو الأكبر منذ عقود ضمن قطاع الدفاع البحري البريطاني، تشهد ترسانات بناء السفن على ضفاف نهر “كلايد” وخليج “فورث” في اسكتلندا نهضة صناعية وتكنولوجية بمليارات الجنيهات الإسترلينية. وتأتي هذه النهضة بهدف إعادة بناء الأسطول الملكي البريطاني المتهالك ومواجهة التهديدات البحرية المتزايدة، وفي مقدمتها النشاط المكثف للغواصات الروسية في شمال الأطلسي، والغموض الذي يكتنف مضيق هرمز.
استعرض تقرير ميداني موسع لـ The Times البريطانية تفاصيل ما يجري، والقادم من قلب ورش التصنيع في “غوفان” و”روسيث”، تناول صوراً مقارنة بين ظروف العمل القاسية في ثمانينيات القرن الماضي والواقع الحديث القائم على الروبوتات والذكاء الاصطناعي والمباني العملاقة المقاومة للتقلبات الجوية.
يروي ستيوارت “بريتشي” بريتشارد (64 عاماً)، وهو لحام سابق في ترسانة “فيرفيلد” بغلاسكو وحالياً مرشد في متحف الترانة، كيف كان العمال في الثمانينيات يوقدون النيران داخل علب الطلاء الفارغة للحصول على الدفء، ويهبطون بالحبال من أسطح السفن التي يصل ارتفاعها إلى 150 قدماً اختصاراً للوقت.
أما اليوم، فقد انقلبت الموازين مع افتتاح صالة “جانيت هارفي” (Janet Harvey Hall) في يونيو/حزيران الماضي بتكلفة ضمن استثمار بلغت قيمته 300 مليون جنيه إسترليني من شركة “بي إيه إي سيستمز” (BAE Systems). وتُعد هذه الصالة واحدة من أكبر المباني في اسكتلندا بطول 170 متراً وارتفاع 56 متراً، حيث تتيح بناء سفينتين حربيتين جنباً إلى جنب بعيداً عن تقلبات الطقس وبأحدث خوذات اللحام المزودة بفلترة الهواء والتقنيات الروبوتية.
مواجهة الغواصات الروسية: فرقاطات “النوع 26” المتطورة
تقوم شركة “BAE Systems” حالياً ببناء سفينتين حرييتين في صالة غوفان هما HMS Belfast وHMS Birmingham، وهما جزء من طلبية تضم 8 فرقاطات من “النوع 26” (Type 26) المخصصة لمكافحة الغواصات.
تأتي هذه الخطوة لمواجهة النشاط الروسي المكثف؛ حيث تعمل ترسانة “سيفماش” الروسية قرب أرخانغيلسك على ضخ غواصات حديثة وقادرة على الإبحار الصامت تحت جليد القطب الشمالي، إلى جانب غواصات مسيرة أُطلقت لإنشاء خرائط لأنابيب النفط وكابلات البيانات القاعية في الأطلسي تمهيداً لاستهدافها في أي صراع مستقبلي.
تكنولوجيا الإخفاء الصوتي: تم تصميم فرقاطات “النوع 26” لتكون شبه صامتة وغير مرئية للغواصات؛ إذ تعتمد على محركات كهربائية للتخفي، ووصلات مطاطية لمنع الاهتزازات لـ 600 كم من الكابلات و400 كم من الألياف الضوئية، وأرضيات ممتصة للصدمات في غرفة القيادة، فضلاً عن مجسات سونار متطورة تُسحب خلف السفينة كأذرع الأخطبوط لترصد الغواصات والطوربيدات.
مرونة العمليات: تتميز السفينة بـ “منطقة مهام” (Mission Bay) شاسعة بحجم صالة رياضية مزودة بأبواب عملاقة تفتح على البحر، لتتيح إطلاق زوارق وغواصات مسيرة أو نقل إمدادات إغاثة.
الاهتمام العالمي: أبدت دول عدة اهتمامها بهذه الفرقاطات؛ حيث اشترت النرويج 5 فرقاطات بقيمة 10 مليارات جنيه إسترليني، في حين اشترت كندا وأستراليا التصميم لبناء أسطوليهما محلياً.
“النوع 31”: الفرقاطات المتعددة الأغراض في “روسيث”
على بعد 50 ميلاً في ترسانة “روسيث” التابعة لشركة “بابكوك الدولية” (Babcock International)، يجري بناء أسطول من فرقاطات “النوع 31” المتعددة الأغراض (مثل السفينة HMS Active وHMS Venturer)، بتكلفة تصل إلى 250 مليون جنيه إسترليني للسفينة الواحدة، ومن المقرر دخولها الخدمة في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.
وتُبنى هذه السفن في صالة “فينتشر” التي تتسع لـ 56 مسبحاً أولمبياً، وتتميز بكونها أقل تكلفة وأسرع في البناء مقارنة بـ “النوع 26″، لاستخدامها في مهام المرافقة وضرب الأهداف بصواريخ “توماهوك”.
عقود من الإهمال وتحديات التأخير
يرى الخبراء والمحللون العسكريون، ومنهم كابتن البحرية السابق كيفن رولاندز من المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، أن هذا الاستثمار بالرغم من ضخامته قد جاء متأخراً بعد عقود من الإهمال الحكومي عقب انتهاء الحرب الباردة.
الفجوة في الخليج العربي: أدى التخلص التدريجي من الأسطول القديم قبل دخول الأسطول الجديد الخدمة إلى غياب السفن الحربية البريطانية عن مناطق حيوية مثل مضيق هرمز ومياه الخليج العربي، مما أحدث إحراجاً أمريكياً لبريطانيا عند طلب المساعدة البحرية.
التأخيرات التشغيلية: شهدت سفينة HMS Glasgow (أولى سفن النوع 26) تأخيرات كبيرة في التسليم لتبدأ الخدمة في أواخر العشرينيات بدلاً من عام 2024، بسبب مشكلات في توريد صندوق التروس (Gearbox)، غير أن استخدام صالات التصنيع الحديثة يُتوقع أن يقلص زمن بناء السفن القادمة إلى النصف.
مراجعة خطط الدفاع (DIP): ألغت خطة الاستثمار الدفاعي الحكومية الأخيرة بناء مدمرات كبيرة من النوع الجديد، واستعاضت عنها ببناء 6 سفن أصغر حجماً لتكون مراكز قيادة وتحكم لشبكات من الزوارق والغواصات المسيرة.
جيل جديد من “جيل Z” والشباب يحيي الترسانات
بخلاف الزيارات السابقة التي كانت تقتصر فيها القوى العاملة على كبار السن (“ذوي اللحى الرمادية”)، شهدت الترسانات الاسكتلندية طفرة في تدريب واستقطاب عمال من “جيل Z” والشباب عبر برامج تدريب مهني (Apprenticeships) وجامعية مدعومة من الشركات.
وأشار القائمون على الترسانات، مثل سيمون ليستر (المدير التنفيذي لقطاع السفن الحربية في BAE ونائب الأدميرال السابق)، إلى أن المنظومة لا تهدف فقط لبناء سفن حديثة بل إلى “إعادة بناء صناعة كاملة” توفر وظائف آمنة ومستقرة لعقود قادمة، وتنعش الاقتصاد المحلي لمدينة غلاسكو ومناطقها التاريخية.
