صدمت سويسرا الأوساط السياسية والاقتصادية في القارة الأوروبية بطرح مبادرة تشريعية غير مسبوقة دولياً، للتصويت الشعبي العام في الرابع عشر من يونيو/حزيران 2026، تستهدف كبح النمو السكاني رسميًا ووضع حد أقصى لا يتجاوز 10 ملايين نسمة حتى عام 2050. وكشفت المؤشرات الاستطلاعية الأخيرة عن تأييد جارف للمبادرة المقترحة من “حزب الشعب السويسري” اليميني (S.V.P) بنسبة بلغت 52%، وهي النسبة التي تؤهل المقترح ليدخل حيز التنفيذ الدستوري في بلد يقطنه حالياً 9.1 ملايين نسمة. وأوضحت المسودة القانونية للمبادرة، التي جرى حشد التأييد لها تحت لافتات رُفعت في بلدات جبال الألب السويسرية تحمل شعار “لا لسويسرا ذات الـ 10 ملايين”، أن الخطة تعتمد على آليتين عقابيتين متتاليتين؛ تبدأ الأولى بمجرد ملامسة عتبة الـ 9.5 ملايين نسمة عبر تجميد طلبات اللجوء ولم الشمل، وتصل ذروتها بفرض حظر تدفق شامل حال الوصول لـ 10 ملايين إنسان.
“خيار شمشون” يهدد بفسخ الاتفاقيات الثنائية مع الاتحاد الأوروبي
في تقرير لـ جيسي جيزيفسكا ستيفنز في مجلة The New Yorker، حذّر خبراء الاقتصاد والسياسة في برن من أن السيناريو الثاني للمبادرة، والذي سيفعل تلقائياً حال استمرار الكثافة السكانية فوق حاجز الـ 10 ملايين لعامين متتاليين، سيجبر الحكومة الدستورية على إلغاء اتفاقية “حرية حركة الأشخاص” مع الاتحاد الأوروبي. وأكد مايكل سيغنتالر، خبير اقتصاد العمل في جامعة “E.T.H” المرموقة في زيورخ، أن هذا الإجراء سيعني نسف شبكة العلاقات الاستراتيجية والأمنية والتجارية السويسرية مع بروكسل، مرجحاً أن يقوم الاتحاد الأوروبي بإلغاء كافة الاتفاقيات الثنائية رداً على تلك الخطوة. ووصف مراقبون المبادرة بأنها أشبه بقوانين حماية المحميات البيئية الهشة مثل “جزر غالاباغوس”، لكنها تُطبق هذه المرة على دولة ذات سيادة، مما يهدد بقطع شريان الحياة عن 400 ألف موظف أوروبي يعبرون الحدود يومياً للعمل في سويسرا من فرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا، إضافة إلى 120 ألفاً استقروا فيها العام الماضي وحده بحثاً عن جودة الحياة والأجور المرتفعة.
اليمين السويسري يوظف “لغة البيئة” لشرعنة النزعات المناهضة للأجانب
اعتمدت الحملة الدعائية لحزب الشعب السويسري (S.V.P)، والتي قادها الخبير المصرفي الملياردير وعضو البرلمان توماس ماتر، على استخدام أدبيات الحركات البيئية عبر تسمية القانون بـ “مبادرة الاستدامة” (Nachhaltigkeitsinitiative). واعتبر ماتر، في كلمته خلال مؤتمر الحزب الحاشد ببلدة “ماينفيلد”، أن الانفجار السكاني هو المسؤول الأول عن أزمة السكن الحادة، وارتفاع الإيجارات، واكتظاظ القطارات، واختناق الطرق السريعة، مشدداً بالقول: “بلدنا سيكون هالكاً إن لم نتحرك”. ورغم محاولات قادة الحزب تبرئة المبادرة من النزعات العنصرية، أعادت هذه التحركات إلى الأذهان إرث “مبادرة شوازينباخ” عام 1970 المناهضة للأجانب، ومفهوم “Überfremdung” (التغريب أو الإفراط في جلب الأجانب). وأشار جاكوب تانر، الأستاذ الفخري للتاريخ الحديث بجامعة زيورخ، إلى أن سويسرا لطالما كانت “حاضنة للتيارات الشعبوية الأوروبية”، حيث استوعب حزب الشعب الحركات الأكثر تطرفاً في التسعينيات، وبات ملهماً لحركات اليمين المتطرف في ألمانيا وفرنسا مثل “البديل من أجل ألمانيا” و”التجمع الوطني”.
اللاجئون هم الهدف والاستخبارات تتوقع ولادة مجتمع الظل
أبدت المنظمات الإنسانية والحقوقية مخاوف عميقة من أن يكون أول ضحايا هذا التعديل الدستوري هم الفئات الأكثر ضعفاً في نظام اللجوء. وأوضحت أنيا كلوغ، رئيسة مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سويسرا وليختنشتاين، أن المبادرة حال إقرارها وتجاوز السكان عتبة الـ 9.5 ملايين (وهو أمر متوقع بحلول عام 2029)، ستحرم الحاصلين على “القبول المؤقت” ــ والذين يبلغ عددهم حالياً 40 ألف شخص فروا من حروب أهلية كأفغانستان وإريتريا والسودان ــ من أي فرصة للحصول على الإقامة الدائمة. ونبّهت كلوغ إلى أن سويسرا، بموجب القوانين الدولية ومبدأ “عدم الرد القسري”، لن تتمكن من ترحيل هؤلاء إلى بلدانهم بسبب المخاطر على حياتهم، مما سيؤدي حتماً إلى خلق “مجتمع ظل” معزول يستحيل دمجه قانونياً أو اجتماعياً، ناهيك عن التهديد المباشر الذي يطال أكثر من 200 ألف شخص تحت الحماية القانونية الحالية، من بينهم نحو 70 ألف لاجئ أوكراني استقبلتهم البلاد منذ عام 2022.
برن تحذر من “مبادرة الفوضى” وتستحضر شبح الانهيار البريطاني (بريكست)
شنت الحكومة الفيدرالية (المجلس التنفيذي الأعلى) هجوماً مضاداً حاداً على المقترح، حيث قاد وزير العدل والشرطة السويسري، بيت يانس، حملة وطنية لإقناع الناخبين برفض المبادرة، واصفاً إياها بأنها “تهديد مباشر للازدهار السويسري”. وأكد يانس في مناظرة عامة بكانتون “سانت غالن” الحدودية، أن فكرة غلق الحدود وتجميد الهجرة لن تحل الأزمات بل ستزيدها تعقيداً، مستشهداً بالنموذج البريطاني بعد “البريكست” الذي عانى من قفزة في أعداد المهاجرين غير الشرعيين، وفقدان 5% من ناتجه المحلي الإجمالي، وتراجع حركته التجارية بنسبة 15%. وانضمت الاتحادات التجارية الكبرى ومؤسسة “إيكونومي سويس” (Economiesuisse) لجبهة الرفض، واصفة القانون بـ “مبادرة الفوضى” التي ستجبر البلاد على اعتماد سياسة “صافي الهجرة الصفري” (خروج شخص مقابل دخول آخر). واختتم دومينيك هانغارتنر، مدير مختبر سياسات الهجرة في جامعة “E.T.H”، بالتحذير من مغبة تقييد مرونة الدولة عبر قوالب دستورية جامدة، مؤكداً أن قفل المبادرة لسويسرا في مسار محدد سيعطل قدرتها الاستراتيجية على المناورة والاكتفاء الذاتي وسط عالم مضطرب يتغير بسرعة مرعبة.
