شهدت العقود الماضية قدرة الدول الكبرى على التكاتف لمواجهة الأزمات الاقتصادية، كما حدث في أزمة 2008 أو خلال جائحة كورونا. غير أن الحرب على إيران وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز أظهرت أن روح التعاون العالمي تراجعت بشكل خطير، وأن قدرة الحكومات على التدخل الجماعي باتت أضعف من أي وقت مضى.
أشارت وكالة بلومبرغ إلى أن الإغلاق المؤقت للمضيق تسبب في أسوأ اضطراب للطاقة منذ نصف قرن، مع ارتفاع أسعار الوقود عالميًا وتعطل سلاسل توريد منتجات أساسية مثل الأسمدة والبلاستيك والهيليوم. النتيجة المباشرة كانت توقعات بتباطؤ النمو وارتفاع التضخم، فيما يثقل جبل الديون العالمي الذي بلغ 348 تريليون دولار كاهل الاقتصادات.
وقالت كريستالينا جورجيفا، المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، إن المؤسسة كانت بصدد رفع توقعات النمو لعام 2026 قبل اندلاع الحرب، لكنها اضطرت إلى خفضها إلى 2.9% بدلًا من 3.4% في العام السابق. وأضافت: “نحن في عالم أكثر عرضة للصدمات وأكثر هشاشة”.
وتفاقمت الأزمة بسبب تراكم الديون منذ جائحة كورونا، حيث لجأت الحكومات إلى الاقتراض لتمويل الإنفاق الطارئ. اليوم، تعاني اقتصادات كبرى مثل بريطانيا واليابان، إضافة إلى دول ناشئة مثل باكستان وكينيا، من ضغوط مالية خانقة. وتشير الأمم المتحدة إلى أن 3.4 مليار شخص يعيشون في دول تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفق على الصحة والتعليم.
ورأى خبراء أن الولايات المتحدة، رغم كونها طرفًا رئيسيًا في الحرب، لن تتأثر بالقدر نفسه مقارنة بالدول الأخرى، نظرًا لقدرتها على تمويل عجزها بسهولة أكبر. لكن الانقسام السياسي وتراجع دور واشنطن في قيادة مجموعة العشرين والمؤسسات المالية الدولية يثيران شكوكًا حول إمكانية تنسيق استجابة عالمية جديدة.
أما الصين، التي وسّعت في السنوات الأخيرة شبكة قروضها واتفاقات تبادل العملات مع عشرات البنوك المركزية، فهي بدورها تواجه أزمة عقارية داخلية تحد من قدرتها على لعب دور المنقذ. في المقابل، يظل صندوق النقد والبنك الدولي مطالبَين بملء فراغ القيادة رغم ضعف مواردهما مقارنة بحجم التحديات.
وفي ظل هذه المعطيات، حذّر اقتصاديون من أن البنوك المركزية لم تعد قادرة على لعب دور “الأبطال” كما فعلت في أزمة 2008 أو خلال الجائحة. فصدمة أسعار الطاقة تضعها أمام معضلة: هل ترفع الفائدة لكبح التضخم أم تخفضها لحماية الوظائف؟ كلا الخيارين يزيد من عبء خدمة الدين ويقلص القدرة على مواجهة الأزمة المقبلة.
