أطلق قادة أوروبيون تحذيرات غير مسبوقة من احتمال اندلاع مواجهة مباشرة مع روسيا خلال أشهر قليلة، في ظل شكوك متزايدة حول التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها عبر الأطلسي. وأكد رئيس وزراء بولندا، دونالد توسك، خلال قمة الاتحاد الأوروبي في قبرص يومي 23 و24 أبريل، أن أوروبا يجب أن تتعامل بجدية مع التهديد الروسي وأن تعزز دفاعاتها المشتركة داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وفقا لتقرير في “إيكونوميست” أظهرت مواقف قادة آخرين تناقضات واضحة، خاصة في علاقتهم مع أوكرانيا. فبعد أن وافقت حكومات الاتحاد الأوروبي هذا الشهر على قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، برزت شكوك جديدة بشأن مستقبل انضمامها إلى الاتحاد، خصوصاً بعد سقوط حكومة فيكتور أوربان في المجر التي كانت تعرقل القرار. ومع زوال الفيتو المجري، ظهرت ترددات فرنسا وألمانيا بشكل أوضح، إذ رفضتا منح أوكرانيا عضوية كاملة بالسرعة التي يطالب بها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الذي يريد انضمام بلاده بحلول يناير 2027.
أوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن أوكرانيا لا يمكنها الانضمام إلى الاتحاد وهي في حالة حرب، وأن عليها الالتزام بمعايير صارمة تتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد. ورغم أن هذه المخاوف تبدو منطقية، فإنها تتقاطع مع مخاوف أخرى أقل وجاهة، مثل خشية المزارعين الأوروبيين من منافسة الزراعة الأوكرانية الضخمة، وما قد يترتب على ذلك من انهيار نظام الدعم الزراعي الأوروبي.
في المقابل، يرى مؤيدو أوكرانيا أن أي دفاع جدي عن أوروبا لا يمكن أن يتم من دون مشاركة أوكرانيا بجيشها الذي يضم نحو 800 ألف مقاتل، وتقنياتها المتقدمة في الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع المضادة للطائرات المسيّرة. وأكد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أن أوروبا بحاجة إلى أوكرانيا أكثر مما تحتاج أوكرانيا إلى أوروبا.
تراجعت آمال أوكرانيا في الانضمام إلى الناتو، بعدما أعلن مسؤولون غربيون أن هذه الطموحات “ميتة” في المستقبل المنظور، خاصة مع رفض الرئيس الأميركي جو بايدن الفكرة، ومعارضة الرئيس دونالد ترامب لها. وبذلك، أصبح الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هو الطريق الوحيد المتبقي لترسيخ موقع أوكرانيا داخل أوروبا والعالم الديمقراطي.
طرحت فرنسا وألمانيا فكرة العضوية الجزئية أو المؤقتة، عبر منح أوكرانيا مقاعد مراقبة في مؤسسات الاتحاد من دون حق التصويت، وربما تمديد بند الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة 42.7 من معاهدات الاتحاد الأوروبي ليشمل أوكرانيا. وقد كُلّف المسؤولون الأوروبيون في قمة قبرص بدراسة كيفية تطبيق هذا البند في حال نشوب صراع.
أشار ميرتس إلى أن أي اتفاق سلام قد يفرض على أوكرانيا التخلي عن بعض الأراضي، وأن تمريره عبر استفتاء شعبي يتطلب أن يرى الأوكرانيون طريقاً واضحاً نحو العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، يظل الموقف الأوروبي متناقضاً: فبينما يخشى القادة من تأثير أوكرانيا على الدعم الزراعي، فإنهم لا يترددون في التفكير بمنحها ضمانات دفاعية وأمنية ملزمة.
تكمن جوهر الأزمة في نظرة الأوروبيين إلى الحرب واحتماليتها. فإذا كان الهجوم الروسي وشيكاً، فإن لا شيء أهم من تثبيت أوكرانيا كشريك استراتيجي. أما إذا فضّل بعض القادة سياسة التهدئة مع موسكو، فإن كل المخاوف المتعلقة بضعف أوكرانيا أو فسادها تصبح ذريعة لإبقائها خارج النادي الأوروبي.
في النهاية، يظل مستقبل أوكرانيا معلقاً بين الحاجة الأوروبية إليها كدرع دفاعي، وبين التردد في منحها العضوية الكاملة. وإذا لم تُحسم هذه المعادلة قريباً، فإن أوروبا قد تجد نفسها أمام خطر مزدوج: مواجهة روسيا من جهة، وخسارة أوكرانيا من جهة أخرى.
