واشنطن – كشفت الافتتاحية الأخيرة لمجلة “ساينس” (Science) المرموقة عن حجم الاضطراب الذي يواجه المؤسسة العلمية الأمريكية، وصنفت الأشهر الثمانية عشر الماضية بأنها الأكثر اضطراباً في تاريخ العلوم الحديثة، نتيجة لقرارات سياسية شملت إلغاء منح فيدرالية، وتقليص ميزانيات البحث العلمي بنسب وصلت إلى 60%.
أوضحت الافتتاحية، التي صاغها رئيس التحرير هـ. هولدين ثورب، أن استعادة الكونجرس للميزانيات بعد ضغوط المجتمع العلمي لم تنهِ الأزمة؛ إذ لا تزال الجامعات تعاني من بطء صرف التمويل، وسط مناخ من الخوف والقلق أفرزته الهجمات المستمرة من إدارة ترامب على استقلالية البحث العلمي.
رصدت المجلة حالة من الانقسام في الأوساط الأكاديمية بين الاستجابة لضغوط الجامعات الداعية للحياد لتجنب التحقيقات الفيدرالية، وبين دعوات الزملاء للنزول إلى الشارع والدفاع عن العلم كواجب وطني وأخلاقي، مما وضع الباحثين في حيرة بين “حماية المؤسسة” و”المقاومة العلنية”.
استعانت الافتتاحية بخبرة المؤرخ تيموثي سنايدر، المتخصص في دراسة الأنظمة السلطوية، لتقديم خارطة طريق للمجتمع العلمي؛ حيث شدد سنايدر على مبدأ “عدم الطاعة المسبقة” كأهم درس لمواجهة التغول السياسي، محذراً المؤسسات العلمية من تقديم تنازلات مجانية قبل ممارسة الضغط الفعلي.
وثقت الافتتاحية نماذج متباينة لردود فعل الجامعات؛ فبينما نجحت بعضها في تعطيل قرارات الإدارة عبر القضاء، اختارت أخرى طريق التسوية والامتثال لمطالب السلطة التنفيذية مقابل استعادة التمويل، وهو ما اعتبره سنايدر صراعاً حتمياً بين قيم حماية الكيان المؤسسي وقيم المقاومة المبدئية.
أبرزت المجلة الموقف الحازم لدورية “Annals of Internal Medicine” التي رفضت الانصياع لطلب وزير الصحة روبرت كينيدي جونيور بسحب بحث علمي حول اللقاحات، مؤكدة أن النزاهة المهنية والالتزام بالحقائق العلمية هما خط الدفاع الأول ضد محاولات تسييس العلم وتقويض مصداقيته.
اختتمت افتتاحية “ساينس” بالدعوة إلى ضرورة كسر القواعد التقليدية في الحوار العام، حيث أكد سنايدر أن مواجهة التضليل السياسي تتطلب من العلماء تبني مواقف هجومية جريئة تخرج عن النمط السائد، بهدف إعادة توجيه النقاش الوطني وحماية استقلالية الحقيقة العلمية.
