أثار رحيل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبق، ألان غرينسبان، عن عمر يناهز 100 عام، موجة من النقاشات الاقتصادية والسياسية حول العالم بشأن مصير “استقلالية البنوك المركزية”. وفي تحليل نشرته مجلة “ذا سبيكتاتور” البريطانية، سُلّط الضوء على التحول الخطير في العلاقة بين القادة السياسيين ومحافظي البنوك المركزية، حيث تحولت هذه المؤسسات التي كانت يوماً ما “حصناً للحكمة الاقتصادية” إلى “كبش فداء” يسهل التضحية به لإرضاء النزعات الشعبوية والمصالح السياسية الضيقة.
أشار التقرير إلى أن حقبة ألان غرينسبان (التي امتدت لـ 18 عاماً وعاصر خلالها أربعة رؤساء أمريكيين) تميزت باحترام مطلق لاستقلالية القرار المالي، على الرغم من الانتقادات اللاحقة لسياساته التي وُصفت بأنها مهدت لأزمة 2008 بسبب “الأموال السهلة”.
أما اليوم، فقد تبدل المشهد تماماً؛ وظهر ذلك جلياً في المواجهات العنيفة التي خاضها رئيس الفيدرالي السابق “جيروم باول” ضد ضغوط دونالد ترامب المستمرة لخفض الفائدة لصالح البورصة والمستثمرين. ومع انتهاء ولاية باول وتعيين “كيفن وارش” – الذي وُصف قبل تسلمه المنصب بـ “دمية ترامب” – بدأت ملامح عهد جديد يرى فيه الخبراء تراجعاً لسطوة البنك المركزي أمام رغبات البيت الأبيض، رغم محاولات وارش الأخيرة لإظهار التماسك عبر إلقاء اللوم في التضخم على صدمات الطاقة الناتجة عن حرب إيران.
لا يقتصر هذا الصراع على واشنطن؛ بل يمتد إلى جبهات دولية أخرى:
في روسيا: تواجه محافظ البنك المركزي “إلفيرا نابيولينا” – التي حظيت باحترام دولي لإبقائها على استقرار الاقتصاد الروسي رغم عقوبات غزو أوكرانيا – ضغوطاً خانقة من الرئيس فلاديمير بوتين لخفض الفائدة قسراً وتمويل عجز الموازنة العسكرية. ويربط مراقبون اختفاءها الغامض مؤخراً لمدة ثلاثة أسابيع بـ “تجميد سياسي” يمهد لاستبدالها العام المقبل بشخصية مطيعة للكرملين.
في بريطانيا: يواجه محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، حصاراً مشابهاً من الحكومة الحالية للتماشي مع خطط الإنفاق الموسع والتأميم، وسط مخاوف من نسف القواعد المالية المستقرة لصالح المكاسب السياسية قصيرة المدى.
خلاصة المشهد: “إذا كان الأمر يتعلق بمن يلقي بالآخر تحت الحافلة، فإن المستبد الطموح هو من يجلس اليوم في مقعد السائق، بينما بات على محافظ البنك المركزي أن يحذر جيداً وهو يخطو خارج الرصيف”.
