تواجه المجمعات الصناعية والمجتمعات المحلية في الولايات المتحدة تهديداً متزايداً جراء الارتفاع الملحوظ في معدلات الحوادث الكيميائية الخطيرة، وهو ما تجسد مؤخراً في حادثتين ضخمتين هزتا الساحل الغربي؛ حيث أسفر انهيار خزان ضخم يحتوي على مادة كيميائية سامة تستخدم في صناعة الورق بولاية واشنطن عن مقتل 11 عاملاً، في حين تسبب ارتفاع مفرط في حرارة خزان آخر تملكه شركة لأجزاء الطائرات في كاليفورنيا إلى إجلاء اضطراري لأكثر من 40 ألف مواطن.
كشف تحليل استقصائي أجرته صحيفة “وال ستريت جورنال” (The Wall Street Journal)، بناءً على بيانات “المجلس الأمريكي للسلامة الكيميائية والتحقيق في المخاطر” (CSB)، أن عام 2025 شهد تسجيل 131 حادثاً كيميائياً خطيراً بنسبة ارتفاع بلغت 20% مقارنة بالعام السابق، وأدت تلك الحوادث إلى مقتل 48 شخصاً—وهو ما يعادل ضعف حصيلة عام 2024 تقريباً—بالإضافة إلى إصابة 142 آخرين بجروح بليغة، وسط مؤشرات على أن ربع هذه الحوادث يقع في منشآت تكرر فيها الخطأ والمخالفات أكثر من مرة منذ عام 2020.
وقع ما يقرب من ربع الحوادث التي راجعتها الصحيفة في مواقع أبلغت عن حادث واحد آخر على الأقل لمجلس السلامة الكيميائية (CSB) منذ عام 2020. وتتصدر شركات النفط والغاز والكيميائيات، والعديد منها في ولايتي لويزيانا وتكساس، قائمة الجهات المخالفة تكراراً، وفقاً لتحليل الصحيفة.
وقال مايك شميت، الرئيس التنفيذي لشركة “بلوفيلد لسلامة العمليات” (Bluefield Process Safety)، وهي شركة استشارية في مجال السلامة، إن متوسط عمر مصنع الكيماويات الأمريكي يبلغ 46 عاماً، في حين أن العمر الافتراضي للمعدات عادة ما يكون حوالي 20 عاماً. وحظر مكتب “مارش” (Marsh)، وهو وسيط تأمين وشركة استشارية للمخاطر، متوسط عمر البنية التحتية لتكرير النفط والبتروكيماويات في أمريكا الشمالية عند 61 عاماً، وأظهرت تحليلاته خسائر متزايدة مع تجاوز المصانع حاجز الـ 30 عاماً.
وسجلت شركة “كيندر مورغان” (Kinder Morgan)، وهي شركة أنابيب تبلغ قيمتها 70 مليار دولار، ما مجموعه 28 حادثاً في 26 منشأة مختلفة على مدار السنوات الست الماضية.
وقالت الشركة إنها تأخذ “كل حادث، كبيراً كان أم صغيراً، على محمل الجد، ونحن ملتزمون بالتحسين المستمر والحد من المخاطر”. ومن جانبه، أفاد “معهد البترول الأمريكي” (API)، وهو اتحاد تجاري، بأن السلامة في مكان العمل هي الأولوية القصوى لقطاع النفط والغاز، وأن مبادرات القطاع أدت إلى “انخفاضات كبيرة في الحوادث على مدى العقد الماضي”، بناءً على بيانات المسح الخاصة به.
وتظهر مصانع الأغذية والدواجن عدة مرات في قائمة الحوادث؛ حيث أبلغت شركة “تايسون فودز” (Tyson Foods) عن ثمانية حوادث منذ عام 2020، بما في ذلك انفجار مميت نجم عن تمزق خرطوم نفط في منشأة بمدينة كاميلا بولاية جورجيا عام 2024. وأسفر الحادث عن صدور مخالفة من “إدارة السلامة والصحة المهنية” (OSHA) بسبب انتهاك خطير.
أما شركة “نيبون ديناوايف للتغليف” (Nippon Dynawave Packaging)، وهي الشركة التي تدير مصنع ولاية واشنطن، فلديها تاريخ طويل من الانتهاكات والشكاوى السابقة المتعلقة بالسلامة في الولاية، بما في ذلك شكوى تتعلق بسلامة العمال قُدِّمت قبل أسابيع فقط من الحادث، بعد سقوط موظف في مجرى بالوعة مليء بعجينة الورق الحارقة بسبب إهمال في الصيانة. ووصف السجل العمالي للولاية أن الشركة اعتبرت الحادث بمثابة “نجاة وشيكة من الخطر”. وتجري دائرة العمل والصناعات في ولاية واشنطن تحقيقاً في هذه الشكوى.
أرجع خبراء سلامة العمليات ومسؤولون سابقون في وكالة حماية البيئة (EPA) هذا التدهور إلى سنوات من تأجيل أعمال الصيانة الدورية وإجراءات السلامة في المصانع المتقادمة؛ حيث يبلغ متوسط عمر مصنع الكيماويات الأمريكي نحو 46 عاماً، بينما لا تتجاوز التقديرات الافتراضية لصلاحية المعدات 20 عاماً، في حين تصل أعمار البنى التحتية لتكرير النفط والبتروكيماويات في أمريكا الشمالية إلى 61 عاماً، مما يؤدي إلى تصاعد مضطرد في حجم الخسائر البشرية والمادية نتيجة تآكل الأنابيب وغياب أجهزة الرصد الحديثة.
أظهرت التحقيقات وجود ثغرات قانونية وتناقضات تنظيمية حادة في آليات الإشراف؛ فرغم إخضاع وكالة حماية البيئة لـ 11,500 منشأة كيميائية لقواعد صارمة بموجب “برنامج إدارة المخاطر” (RMP)، إلا أن هناك مركبات ومزيجاً كيميائياً شديد السمية والفتك لا يزال خارج هذه القوائم الصارمة، مثل مادة “الليكير الأبيض” المسببة للتآكل ومادة “ميثيل ميثاكريلات” المستخدمة في البلاستيك، مما يعفي الشركات المصنعة لها من التدقيق المشدد، ويجعل الغرامات المحلية المفروضة عليها ضئيلة ولا تشكل رادعاً حقيقياً لتغيير سلوك الشركات.
أكدت الوكالات الرسمية والاتحادات التجارية تباين وجهات النظر حول هذه الأرقام؛ إذ دافعت وكالة حماية البيئة (EPA) في إدارة ترامب عن جهودها مشيرة إلى أن البيانات الإجمالية تشمل منشآت غير خاضعة لقواعدها، وأن المنشآت الخاضعة لرقابتها شهدت انخفاضاً في الحوادث، في حين شدد معهد البترول الأمريكي (API) على أن السلامة تظل أولوية قصوى أدت لتراجع الحوادث في قطاع النفط، رداً على رصد مخالفات متكررة في شركات كبرى مثل “كيندر مورغان” للأنابيب، ومصانع الأغذية والدواجن كـ “تايسون فودز” التي سجلت انفجارات قاتلة ومخالفات عمالية جسيمة نتيجة إهمال إجراءات السلامة المهنية.
