الرئيسية العالم إحباط في الجيش الأمريكي مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي

إحباط في الجيش الأمريكي مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي

0
خلاف علني بين "أنثروبيك" والبنتاغون

تتخبط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواقفها المتعلقة بتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة الأمنية والعسكرية الأمريكية، في ظل تصاعد حدة المنافسة التكنولوجية مع الصين، وسط فوضى وتناقضات متكررة طالت بشكل خاص التعامل مع شركة “أنثروبيك” وتقنياتها.

نشرت هذا التقرير صحيفة “نيويورك تايمز” (النسخة الدولية، عدد الثلاثاء 25 أغسطس 2026)، وشارك في إعداده كل من ديفيد سانغر، ودستن فولز، وآنا سوانسون، وجوليان بارنز.

بحسب التقرير، تلقّى عدد من أكبر المتعاقدين العسكريين في الولايات المتحدة الشهر الماضي رسالة من سلاح الجو الأمريكي تحذرهم من ضرورة تخليص جميع برمجياتهم الخاصة بأنظمة الأسلحة والتحكم من أي منتجات تابعة لشركة “أنثروبيك” بحلول أول سبتمبر، تحت طائلة تعريض تعاملاتهم مع البنتاغون للخطر. لكن خلال شهر واحد فقط، تلقى هؤلاء المتعاقدون رسالة معاكسة تطلب منهم “الانتظار” وتجاهل التعليمات السابقة مؤقتاً.

ويصف التقرير هذا التخبط بأنه مثال إضافي على حالة الفوضى والتناقض التي اجتاحت مؤسسة الأمن القومي الأمريكي في الأشهر الأخيرة، مع محاولة أجهزة كالبنتاغون، التي لا تزال تستخدم طائرات صُممت في خمسينيات القرن الماضي، مواكبة نماذج ذكاء اصطناعي تتضاعف قدراتها خلال أشهر معدودة.

خلاف علني بين “أنثروبيك” والبنتاغون

يشير التقرير إلى أن التوتر تصاعد بشكل خاص في حالة شركة “أنثروبيك”، التي دخل رئيسها التنفيذي داريو أموداي في خلاف علني مع وزير الدفاع بيت هيغسيث بشأن قيود حاولت الشركة فرضها على استخدام الجيش الأمريكي لتقنيتها.

وبحسب مسؤولين رفيعين في وكالة الأمن القومي، فإن الاستغناء عن نموذج “ميثوس” القوي التابع لـ”أنثروبيك” كان سيجعل من الصعب على الوكالة اكتشاف وإصلاح الثغرات في أنظمة البنتاغون نفسها. وتبيّن أن الوكالة واصلت استخدام منتجات الشركة رغم الحظر المعلن، إذ كانت تُجرى اختبارات حاسمة باستخدام “ميثوس” لقياس قدرته على اختراق شبكات أجنبية شديدة الحماية، بحسب مسؤولين حاليين وسابقين. ووصف أحد المسؤولين الأمريكيين الذين غادروا مناصبهم مؤخراً وقف استخدام “ميثوس” بأنه كان سيمثل “نزع سلاح أحادي الجانب”، نظراً لقدراته المتقدمة في العمليات السيبرانية الهجومية.

استثمارات ضخمة وسباق مع الصين

يوضح التقرير أن وزارات ووكالات عدة، من الدفاع إلى الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي، أنفقت بالفعل مليارات الدولارات على تطوير أسلحة تعمل بتحكم بشري أقل، واختبار الشبكات العسكرية الحساسة ورموز الأسلحة النووية للتأكد من مناعتها أمام أنظمة ذكاء اصطناعي معادية. كما يشكّل الذكاء الاصطناعي عنصراً محورياً في مشروع “القبة الذهبية”، رؤية ترامب لدرع صاروخي فضائي، والذي يصفه كثير من الخبراء بأنه غير واقعي.

لكن التقرير يحذر من أن معظم هذا العمل لم يأخذ بالحسبان القدرات الهائلة لنماذج مثل “ميثوس”، أو احتمال أن تكون الصين على بعد أشهر قليلة فقط من تطوير نسخ منافسة أرخص تكلفة، ما قد يعزز قدرتها على اختراق شبكات الاتصالات ومياه الشرب وشبكات الكهرباء الأمريكية، على غرار هجومين واسعين نُفذا خلال إدارة بايدن السابقة عُرفا باسم “فولت تايفون” و”سولت تايفون”.

وتنقل الصحيفة عن جين إيسترلي، التي ترأست وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية خلال إدارة بايدن، قولها إن ما يميز الوضع الحالي هو أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على تضخيم هذه القدرات بشكل يجعل المشكلة أكثر إلحاحاً.

قرارات متضاربة من البيت الأبيض

يرصد التقرير سلسلة من التقلبات في سياسة إدارة ترامب: بدءاً من التخلي عن نهجها غير التدخلي في تنظيم القطاع، مروراً بحظر مؤقت لوصول الأجانب، بمن فيهم بعض مطوّري النموذج أنفسهم، إلى “ميثوس”، ثم التراجع عن هذا الحظر. وفي وقت سابق من هذا الشهر، استدعت الإدارة كبار تنفيذيي شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، بما فيها “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، وأبلغتهم بأن النماذج الجديدة ستخضع لمراجعة حكومية للتأكد من عدم إمكانية استخدامها لصنع أسلحة بيولوجية أو اختراق الأنظمة الأمريكية المصنفة أو شبكات الاتصال الخاصة بالأسلحة النووية.

(يُذكر أن صحيفة “نيويورك تايمز” رفعت دعوى قضائية ضد “أوبن إيه آي” و”مايكروسوفت” بتهمة انتهاك حقوق النشر لمحتواها الإخباري في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقد نفت الشركتان هذه الاتهامات.)

لكن عملية المراجعة الحكومية تستثني النماذج “المفتوحة المصدر”، بما فيها كثير من النماذج التي تنتجها حالياً شركات صينية، والتي يمكن للمستخدمين تعديل شيفرتها البرمجية، وهو ما وصفه أحد كبار التنفيذيين المطلعين على السياسة الجديدة بأنه أمر “غير منطقي”، نظراً لأن النماذج المفتوحة يمكن أن تكون خطيرة بالقدر ذاته.

البنتاغون يدافع عن نفسه

يرفض مسؤولو البنتاغون فكرة أن الجيش الأمريكي غير قادر على مواكبة هذا التسارع، مؤكدين أنه حافظ على وصول فوري لأحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي عالمياً رغم حظر “أنثروبيك”، مستشهدين بدمج نسخة من نموذج “جيميناي” التابع لغوغل خلال أربعة أيام فقط من إطلاقه تجارياً.

دعوات لإبطاء التطوير تصطدم بهاجس الصين

يشير التقرير إلى أن أكثر من 1,300 عامل في قطاع الذكاء الاصطناعي دعوا الولايات المتحدة لإبطاء وتيرة التطوير، لكن مسؤولين داخل الإدارة يردون على هذه الدعوات بالتساؤل عن الصين، خشية خسارة ما يعتبرونه تقدماً تقنياً يقارب ستة أشهر. وأثار هذا القلق جدلاً حول فعالية القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة التي تنتجها شركة “إنفيديا” الأمريكية في منع الصين من تطوير القدرة الحاسوبية اللازمة للحاق بالركب، مع تحذيرات من أن هذه القيود قد تدفع الشركات الصينية للحصول على الرقائق عبر السوق السوداء أو تسريع تطوير بدائل محلية.

مقارنة بالحرب الباردة… وحدودها

يستحضر التقرير مقارنة شائعة بين هذه اللحظة وبدايات الحرب الباردة، حين كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي وتحاول تأخير لحاق الاتحاد السوفيتي بها (الذي اختبر أول قنبلة له في أواخر أغسطس 1949). وينقل عن مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف وصفه لقدرات الذكاء الاصطناعي بأنها أقرب إلى “أسلحة نووية رقمية”.

لكن التقرير يوضح حدود هذا التشبيه، إذ إن السلاح النووي ظل حكراً على الدول فقط، بينما تُطوَّر تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الخاص وتتوفر للجميع، مع تحديث كثير من أقوى النماذج أسبوعياً واكتشاف قدراتها غير المتوقعة أولاً بأول. ويقدّر خبراء أمريكيون أن الصين متأخرة عن الولايات المتحدة بنحو ستة أشهر أو أقل في تطوير أحدث النماذج، رغم تأخرها بسنوات في تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة اللازمة لتشغيلها.

ويشير التقرير إلى مؤشرات على قلق صيني من هذه القدرات المتسارعة، مع حديث غير رسمي لمسؤولين صينيين عن أشكال محتملة لضبط التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم عدم وضوح آلية تطبيق ذلك. ونقل التقرير عن إيفان مديروس، الأستاذ بجامعة جورجتاون والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي، قوله إن الصين تبدو أكثر انفتاحاً على النقاش في هذا الملف تحديداً مقارنة بملفات ضبط التسلح النووي والدفاع الصاروخي.

فوضى داخل البنتاغون بشأن “أنثروبيك”

يتوسع التقرير في شرح خلفية الخلاف مع “أنثروبيك”، موضحاً أن التوتر بدأ حين قدّمت الشركة للجيش قائمة من 25 صفحة من القيود على استخدام نسخة “كلود للحكومة” من نموذجها. وبعد أشهر من التفاوض، تقلصت هذه القيود إلى شرطين اثنين فقط: عدم استخدام النموذج للمراقبة الداخلية للمواطنين الأمريكيين، وعدم استخدامه لإنتاج أسلحة مستقلة تماماً دون رقابة بشرية نهائية، بحسب ما أبلغ به أموداي وزير الدفاع هيغسيث في اجتماع بالبنتاغون في فبراير الماضي.

لكن هذا لم يكن كافياً لوزير الدفاع، الذي اعتبر أن تحديد كيفية استخدام الأسلحة هو شأن حكومي وليس قراراً تتخذه الشركات المصنّعة، مستشهداً بشركة “رايثيون” التي لا تفرض قيوداً على استخدام صواريخها. وحين رفض أموداي التراجع، أعلن البنتاغون أن الشركة تمثل “خطراً على سلسلة التوريد” وحظر استخدام منتجاتها عسكرياً.

ويشير التقرير إلى تصريحات نائب وزير الدفاع للبحث والهندسة، إيميل مايكل، الذي قال في مايو الماضي إن “أنثروبيك” تستحق ما حدث لها، وإن البنتاغون أخطأ باعتماده المفرط على مزوّد واحد لبرامج الذكاء الاصطناعي، حتى لو كانت منتجاته متقدمة على المنافسين والصين معاً. وحين سُئل عمّا إذا كان بإمكان الشركة استعادة ثقة الوزارة، أجاب بأن ذلك غير ممكن في “وزارة الحرب” حالياً.

ويفيد مسؤولون بأن البنتاغون أتم عملياً إزالة منتجات “أنثروبيك” من كافة الأنظمة العسكرية، إذ استُبدلت نسخة “كلود للحكومة” في ما يقارب 100% من الأنظمة العسكرية التي كانت تستخدمها بنماذج منافسة أخرى، كما أوقفت الوزارة استخدام أدوات “أنثروبيك” بالكامل في نظام “مافن” الذي يساعد في تحليل الاستخبارات واقتراح أهداف الغارات الجوية ضمن الحرب مع إيران.

تراجع لافت مع ظهور “ميثوس”

بعد أقل من شهرين على الخلاف بين أموداي وهيغسيث، أعلنت “أنثروبيك” عن نموذج “ميثوس”، المصمم خصيصاً لاكتشاف واستغلال الثغرات البرمجية. ولفترة وجيزة، منعت إدارة ترامب جميع الأجانب من استخدام هذا البرنامج، قبل أن تتراجع عن هذا القرار في ما يبدو أنه كان رد فعل مبالغاً فيه، بحسب التقرير.

ووجد البنتاغون نفسه في مأزق: فقد حظر على نفسه استخدام ما قد يكون أقوى سلاح سيبراني جديد في التاريخ. ونقل التقرير عن مسؤول سابق غادر الإدارة مؤخراً قوله إن “حالة من الذعر” سادت حينها. وفي الوقت الذي يمنع فيه البنتاغون استخدام “كلود” لتحليل الاستخبارات أو كتابة الشيفرة البرمجية، سُمح لوكالة الأمن القومي باستخدام نسخ من نموذج “ميثوس” المتقدم على أساس “تجريبي”، لاختبار دفاعات الشبكات الحاسوبية الأمريكية والبحث عن ثغرات في شبكات معادية.

تناقضات تتجاوز البنتاغون

يوضح التقرير أن حالة التخبط لا تقتصر على البنتاغون، بل تمتد إلى وزارتي التجارة والخزانة والبيت الأبيض، حيث باتت القرارات المتعلقة بضوابط التصدير ومراجعات الأمن القومي لنماذج الذكاء الاصطناعي تُتخذ وفق الأهواء والنفوذ الشخصي أكثر من كونها مبنية على مبادئ واضحة، خاصة مع تبدّل مستشاري ترامب وتنافس الوزارات على أدوار أكبر.

ويستعرض التقرير كيف اتبعت الإدارة خلال عامها الأول نهجاً غير تدخلي استناداً لتوصيات ديفيد ساكس، رجل الأعمال الذي كان يدير سياسات الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية قبل مغادرته الإدارة مطلع هذا العام، حيث خفّضت القيود التنظيمية وشجعت الصادرات أملاً في جعل العالم معتمداً على ما وصفه ساكس بـ”المنظومة التقنية الأمريكية”. وفي مايو الماضي، ألغى ترامب مسودة أمر تنفيذي كان سيلزم شركات الذكاء الاصطناعي بتقديم نماذجها لمراجعة أمنية حكومية، بعدما أقنعه ساكس وآخرون بأن مهلة المراجعة البالغة 90 يوماً كانت مبالغاً فيها وستمنح المنافسين الصينيين ميزة.

لكن قدرات “ميثوس” أثارت قلقاً داخل الإدارة، وبحلول يونيو، فرضت الحكومة أشد القيود التي عرفها قطاع الذكاء الاصطناعي على الإطلاق، بقطع وصول المواطنين الأجانب، بمن فيهم بعض مهندسي النموذج، إلى منتجات “أنثروبيك”، قبل أن ترفع الحظر عن الأجانب بعد أسبوعين دون تفسير علني.

“سياسة غير متماسكة”

يختم التقرير بنقل انتقادات كريس ماكغواير، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية والمسؤول السابق في إدارة بايدن، الذي وصف موقف إدارة ترامب من ضوابط التصدير بأنه “غير متماسك”، مشيراً إلى أن الإدارة تشعر بالقلق من المنافسة الصينية في النماذج مفتوحة المصدر، رغم تراجعها عن كثير من الإجراءات التي كانت تحد من تقدم الصين في هذا المجال، بينما وجّهت أشد قيودها نحو شركة أمريكية هي “أنثروبيك” وليس شركة صينية. وتساءل ماكغواير: “أنتم تخففون القيود على الصين، وتتركون ثغرات، وأول مرة تستخدمون فيها ضوابط التصدير في مجال الذكاء الاصطناعي تكون لضرب شركة أمريكية؟”

لا يوجد تعليقات

اترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

Exit mobile version