يواجه الاقتصاد العالمي موجة جديدة من الاضطرابات عقب تجدد الصراع العسكري والدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة مضيق هرمز، وسط مخاوف حادة من قفزة جديدة في أسعار النفط العالمية تزامناً مع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الأخير. ويأتي هذا التصعيد بعد خمسة أشهر من العمليات العسكرية التي فشلت واشنطن خلالها في تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية المعلنة، مما يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مأزق سياسي وعسكري معقد قبيل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وفي تحليل نشرته مجلة “ذا نايشن” (The Nation)، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي ديفيد فاريس (David Faris) أن تجدد هذا الصراع المدمّر والمكلف لا يعود لأسباب استراتيجية حقيقية، بل لـ “عجز الرئيس ترامب عن مواجهة الواقع والاعتراف بالفشل”. وأشار الكاتب إلى أن عقلية ترامب النرجسية تدير الأزمات الدولية الكبرى كأنها “أفلام سينمائية” يملك قرار إنشائها وإنهائها فوراً بمجرد إصدار أوامره، مؤكداً أن الحكام الإيرانيين يرفضون الانصياع لهذه الرغبات، مما يهدد بتحويل ترامب سياسياً إلى نسخة معاصرة من الرئيس الأسبق “هربرت هوفر” المرتبط بحقبة الكساد الكبير.
تخبط في القرارات و”تراجع سريع” عن الرسوم الجمركية
وكان المشهد السياسي في واشنطن قد شهد حالة من الارتباك بعد سلسلة من المواقف المتناقضة التي صدرت عن البيت الأبيض؛ حيث أعلن الرئيس ترامب فجأة أن الولايات المتحدة ستنصب نفسها “حارساً لمضيق هرمز”، مطالباً بفرض رسوم إجبارية تعادل 20% من قيمة شحنة كل سفينة تمر عبر المضيق مقابل حمايتها، بالتزامن مع فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.
هذا المقترح أثار تساؤلات قانونية وعملية واسعة النطاق حول مدى شرعيته وجدواه، مما دفع ترامب إلى التراجع عنه بعد 24 ساعة فقط عبر منصته “تروث سوشيال”. وادعى الرئيس في منشوره الجديد أن النفط “يتدفق بمستويات غير مسبوقة”، معلناً قبول “صفقات تجارية واستثمارية ضخمة” من دول خليجية (لم يذكرها بالاسم) بدلاً من الرسوم، لإنشاء مصانع ومعامل داخل الولايات المتحدة.
مغالطات منطقية وتبعات اقتصادية فورية
ويكشف التحليل عن وجود مغالطات منطقية حادة في الخطاب الرسمي الأمريكي؛ فإذا كان النفط يتدفق بأرقام قياسية، تبرز التساؤلات حول الدافع وراء حاجة واشنطن للعب دور “حارس هرمز” في المقام الأول، وكيف يمكن لهذا التدفق أن يستمر بالتزامن مع فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية؟
ولم تتأخر الأسواق المالية في الاستجابة لهذا التخبط؛ إذ قفزت أسعار البنزين مجدداً وارتفعت العقود الآجلة للنفط بمجرد صدور تصريحات الرئيس. وفي الميدان العسكري، تستمر الولايات المتحدة في استنزاف ذخائرها المتطورة التي تكلف مئات الملايين من الدولارات يومياً لقصف أهداف داخل إيران، في حين تنجح طهران في التصدي لهذه الهجمات باستخدام قوارب سريعة وطائرات مسيرة رخيصة التكلفة لا تتجاوز قيمتها 7000 دولار، دون إجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات جوهرية أو العودة إلى طاولة المفاوضات.
خيارات معقدة بانتظار واشنطن
ومع انهيار “مذكرة التفاهم” التي تم توقيعها في فرساي الشهر الماضي — والتي منحت إيران عملياً حق الإشراف على حركة الملاحة في مضيق هرمز وإنهاء عزلتها الدولية مقابل تنازلات نووية غامضة — تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام خيارات شديدة التعقيد:
خيار دبلوماسي: يتطلب من الرئيس ترامب ابتلاع كبريائه والالتزام بالاتفاق المبرم سابقاً بكل شروطه المهينة لواشنطن.
خيار عسكري جوي: الاستمرار في المحاولات الفاشلة لكسر إرادة طهران عبر القصف الجوي المستمر والمنهك للميزانية.
خيار الغزو البري: شن غزو عسكري شامل لدولة يبلغ تعداد سكانها 90 مليون نسمة، وهو خيار انتحاري سياسياً للجمهوريين قبل ثلاثة أشهر فقط من الانتخابات الوطنية التي قد تسفر عن خسارة الحزب الحاكم لكلا مجلسي الكونغرس (النواب والشيوخ).
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يظل المشهد الاقتصادي والسياسي مرشحاً لمزيد من التصعيد، بينما تتقلص الآمال في التوصل إلى مخرج دبلوماسي حقيقي يضمن استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
