الرئيسيةالعالمفاتورة حرب ترامب مع إيران تتجاوز تريليون دولار

فاتورة حرب ترامب مع إيران تتجاوز تريليون دولار

spot_img

يقود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالياً اختباراً واقعياً وميدانياً لما يحدث عندما يحصل “صقور” السياسة الخارجية في واشنطن على ما ظلوا يطالبون به ويلحون عليه طيلة عقود: حرب شاملة ومفتوحة مع إيران. وبدت النتائج الأولية لهذه المغامرة العسكرية صارخة وصادمة؛ إذ تسير هذه الحرب بخطى متسارعة نحو تكليف الولايات المتحدة فاتورة باهظة تتجاوز قيمتها 1 تريليون دولار، وفقاً لما أورده الكاتب بيتر بينارت في مقال تحليلي موسع نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) الأمريكية.

أوضح بينارت في مقاله بـ “نيويورك تايمز” أن الحرب أسفرت عن أضرار جسيمة طالت القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، وتسببت في استنزاف وخفض هائل لمخزون الصواريخ الاعتراضية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة بشكل حيوي لردع الصين الخصم الأكبر في غرب المحيط الهادئ وغيره من الخصوم المحتملين. كما وضعت الحرب عشرات الملايين من البشر حول العالم تحت طائلة خطر الجوع الحاد، وعجلت بوتيرة التضخم الاقتصادي داخل الولايات المتحدة، فضلاً عن تسببها في مقتل وإصابة مئات الأمريكيين وآلاف الإيرانيين، بما في ذلك فاجعة مقتل أكثر من 100 طفل إيراني إثر سقوط صاروخ كروز من طراز “توماهوك” بالخطأ على مدرسة ابتدائية في بلدة “ميناب”.

ورغم هذه الكلفة البشرية والاقتصادية الفادحة، أشار الكاتب إلى أن الحرب حققت نتائج ضئيلة للغاية تكاد لا تذكر. ورغم أن الرئيس ترامب اتسم بالتقلب والاضطراب -كعادته- في تحديد أهداف الحرب، إلا أنه ركز بوضوح خلال الأشهر الثلاثة الماضية على ثلاثة أهداف رئيسية: القضاء التام على الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإنهاء وتفكيك البرنامج النووي الإيراني، ومساعدة الشعب الإيراني في الإطاحة بنظامه الحاكم.

ولم يتحقق أي هدف من هذه الأهداف الثلاثة؛ فحتى بناءً على تقديرات وتقارير الاستخبارات الأمريكية نفسها التي استشهد بها مقال “نيويورك تايمز”، ما زالت الجمهورية الإسلامية تحتفظ بنحو 70% من مخزونها الصاروخي الذي كان بحوزتها قبل اندلاع الحرب. كما عجزت الولايات المتحدة عن قطع طريق طهران نحو حيازة اليورانيوم عالي الإثراء الذي يمكن استخدامه لإنتاج قنبلة نووية، ولم تتمكن من إسقاط النظام الإيراني. بل على العكس، يبدو النظام الإيراني اليوم أقوى بكثير مما كان عليه قبل الحرب؛ بعد أن أثبت عملياً قدرته على شل حركة الاقتصاد العالمي عبر خنق وتقييد حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي.


وشدد الكاتب بيتر بينارت على أن شكل أو توقيت نهاية هذه الحرب لا يزال غير مؤكد حتى الآن، لكن حقيقة واحدة تظل ساطعة: وهي أن مثل هذه الكوارث في السياسة الخارجية ستستمر في التكرار ما لم يتم إخضاع الأشخاص الذين يروجون لها ويذكون نيرانها للمساءلة والمحاسبة الصارمة. ولو كان مثل هذا الحساب قد تم بعد غزو أمريكا للعراق عام 2003، لكان من غير المرجح تماماً أن تجد الولايات المتحدة نفسها في حالة حرب مع إيران اليوم.

وبحلول الولاية الرئاسية الثانية لجورج دبليو بوش، كان معظم الأمريكيين قد تيقنوا أن غزو العراق كان خطأً فادحاً، وعبروا عن سخطهم ورفضهم لسنوات متتالية عبر التصويت في الانتخابات الرئاسية لمرشحين عارضوا الحرب مثل باراك أوباما، أو على الأقل تظاهروا بمعارضتها مثل دونالد ترامب، متجنبين اختيار مرشحين أيدوا الغزو صراحة مثل هيلاري كلينتون وجون ماكين.

ولكن عندما تعلق الأمر بالتعيينات في المناصب القيادية، جرى مكافأة المسؤولين الذين دعموا الحرب بشكل غريب، حيث رصد مقال “نيويورك تايمز” المفارقات التالية:

باراك أوباما: اختار جو بايدن نائباً له، وعين هيلاري كلينتون ثم جون كيري وزراء للخارجية، وجميعهم صوتوا في الكونغرس لصالح تفويض حرب العراق.

دونالد ترامب: اختار في ولايته الأولى جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، وهو أحد أشرس الداعمين لغزو العراق.

جو بايدن: عندما أصبح رئيساً، اختار أنتوني بلينكن وزيراً للخارجية، وهو الذي كان يشغل منصب كبير مستشاري بايدن للسياسة الخارجية عندما أدلى الأخير بصوته الكارثي لصالح تلك الحرب.

مؤسسات الفكر والترويج للحرب
ويمتد غياب المحاسبة والمساءلة إلى ما هو أبعد من المؤسسة التنفيذية في واشنطن ليصل إلى مراكز الأبحاث والدراسات؛ وحول هذا أشار بينارت إلى قيام “معهد كوينسي للسياسة الدبلوماسية المسؤولة” (وهو مركز أبحاث يناهض التدخل العسكري) قبل عامين بإحصاء الخبراء الذين تم استدعاؤهم للإدلاء بشهاداتهم أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي بين عامي 2021 و2024، تحت إدارة الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

وأظهرت النتائج أن ثاني أكثر مراكز الأبحاث دعوة وجلباً للخبراء كان “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” (FDD)، وهي المؤسسة ذاتها التي أعلنت على موقعها الإلكتروني عشية غزو العراق قائلة: “نحن نعلم أن صدام حسين يصنع أسلحة دمار شامل -بيولوجية وكيميائية ونووية- ويظل يمثل تهديداً خطيراً”. وجاء في المرتبة الثالثة مكرر “معهد المشروع الأمريكي لأبحاث السياسة العامة” (AEI)، الذي تفاخر قبل الغزو بأنه “أخذ دوراً قيادياً في تحديد التهديد الذي يشكله صدام ورسم الخطوط العريضة لكيفية إعادة إعمار العراق بمجرد إزاحته”. واليوم، يعود مسؤولو تلك المؤسسات ليكونوا من بين أعلى الأصوات صخباً وترويجاً للحرب الحالية ضد إيران.

إدمان القوة العسكرية
وكتب بينارت معترفاً في مقاله بـ “نيويورك تايمز”: “لا يعني هذا الطرح وجوب نفي وإقصاء كل صانع سياسة أو خبير دعم حرباً فاشلة من النقاش العام؛ ولكن الحد الأدنى الذي يجب توقعه من المحللين والمسؤولين الذين ثبت خطأ حكمهم الاستراتيجي هو أن يتجاوزوا مجرد إبداء الندم العابر على أخطائهم، ليثبتوا صراحة أنهم أعادوا النظر في الفرضيات العميقة التيبُنيت عليها تلك القرارات. وأنا شخصياً، كنت ممن أيدوا حرب العراق في بدايتها، ووضعت كتاباً كاملاً صارعت فيه نفسي لمعرفة الأسباب التي جعلتني مخطئاً بشكل فادح؛ وهذا الاعتراف لا يمحو الضرر الذي أحدثته كتاباتي، لكن تحدي العقلية التي أنتجت حربي العراق وإيران هو السبيل الوحيد ليتخلص مجتمع السياسة الخارجية الأمريكية من إدمانه على استخدام القوة العسكرية”.

ومع ذلك، وبدلاً من مطالبة دعاة الحرب بمراجعة أخطائهم السابقة، يُمنح هؤلاء بانتظام صفحة بيضاء نظيفة للترويج للحروب مجدداً؛ واستشهد الكاتب بظهور السيناتور ليندسي غراهام في الأول من مارس/آذار الماضي (اليوم التالي لشن الهجوم الأمريكي على إيران) عبر برنامج “Meet the Press” على شبكة “NBC” ليعلن أن “إيران تقترب من الانهيار” مدعياً تدمير برنامجها الصاروخي والنووي. وعندما استضيف غراهام في البرنامج نفسه بعد شهرين ونصف، وبعد أن ثبت عدم صحة ادعاءاته، لم يوجه إليه أي سؤال لمحاسبته على تلك التصريحات، بل تُرِك ليتنبأ مجدداً بأن العودة للنشاط العسكري ستنهي هذا الأمر قريباً.


واستعاد الكاتب في ختام مقاله ذكريات ما قبل عشرين عاماً، عندما كان الجنود الأمريكيون يقتلون في بغداد والرمادي، مؤكداً أنه كان من الصعب على أي شخص حينها أن يتخيل أن واشنطن ستشن حرباً أخرى غير مبررة للإطاحة بنظام حكم آخر في الشرق الأوسط؛ لكن هذه الحرب وقعت بالفعل، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن حرب العراق غيرت الرأي العام الأمريكي بحدّة، لكنها فشلت في تغيير عقلية نقاشات السياسة الخارجية داخل أروقة واشنطن المعزولة.

واعتبر بينارت عبر “نيويورك تايمز” أن التصويت الذي جرى مؤخراً في مجلس النواب لمحاولة وقف الحرب على إيران عبر تفعيل “قانون سلطات الحرب” (War Powers Act) يمثل علامة مبشرة على أن المزيد من السياسيين بدأوا أخيراً في الاستماع والامتثال للمزاج العام المناهض للحرب في البلاد. لكن هذا التحرك يظل مجرد خطوة أولى صغيرة؛ فما لم تكن هناك مراجعة فكرية وحساب سياسي وثقافي أكثر عمقاً وجذرية، فإننا يجب أن نتوقع كوارث مستقبلية أخرى نصنعها بأيدينا، لن تكتفي بنخر وتقويض القوة الأمريكية حول العالم فحسب، بل ستدمر ثقة الشعب الأمريكي في ديمقراطيته في الداخل.

أحدث الأخبار

متطرف من اليمين الإنجليزي المتطرف يشعل النار في منزل إمام بولتون

شهد حي "شاربلز" الهادئ في مدينة بولتون البريطانية مساء الأربعاء حادثا مروّعا حين ألقى...

حادث طعن في بلفاست يشعل توترات ضد المهاجرين

بعد ليلة شهدت فيها أيرلندا الشمالية أعمال عنف واضطرابات على خلفية هجوم بالطعن، أعلنت...

ضربات أمريكية على مواقع عسكرية داخل إيران

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، فجر الخميس، أنها استكملت موجة هجمات واسعة ضد عدة...

إغلاق مضيق هرمز.. والحرس الثوري يقصف أهدافا بالكويت والبحرين والأردن

أعلن مقر خاتم الأنبياء العسكري في إيران، فجر الخميس، إغلاق مضيق هرمز أمام جميع...

قد يهمك أيضا

متطرف من اليمين الإنجليزي المتطرف يشعل النار في منزل إمام بولتون

شهد حي "شاربلز" الهادئ في مدينة بولتون البريطانية مساء الأربعاء حادثا مروّعا حين ألقى...

حادث طعن في بلفاست يشعل توترات ضد المهاجرين

بعد ليلة شهدت فيها أيرلندا الشمالية أعمال عنف واضطرابات على خلفية هجوم بالطعن، أعلنت...

ضربات أمريكية على مواقع عسكرية داخل إيران

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، فجر الخميس، أنها استكملت موجة هجمات واسعة ضد عدة...