أعادت مجلة “نيوزويك” (Newsweek) الأمريكية فتح واحد من أكثر الملفات السياسية والعسكرية حساسية في العصر الحديث تحت عنوانها العريض والمباشر: “هل تستطيع إسرائيل البقاء؟” (Can Israel Survive?). ويأتي هذا التقرير الإستراتيجي المعمق في وقت تمر فيه منطقة الشرق الأوسط بمنعطفات حاسمة أعادت صياغة موازين القوى، وتحديداً بعد موجات الحروب الإقليمية متعددة الجبهات، والتحولات الدراماتيكية في شبكة التحالفات الدولية والدبلوماسية الأمريكية.
وترى المجلة في متن تحليلها أن تساؤل “البقاء” لم يعد مجرد هاجس لاهوتي أو تاريخي يعود لزمن التأسيس، بل تحول إلى معادلة صلبة تحكمها الجغرافيا السياسية، والتفوق التكنولوجي، ومدى تماسك الجبهة الداخلية الإسرائيلية في مواجهة ما يُعرف إستراتيجياً بـ “طوق النار”.
أولاً: معضلة “العمق الإستراتيجي” والتهديد النووي
تطرح “نيوزويك” مفارقة صارخة تتعلق بالجغرافيا الحيوية لإسرائيل؛ فبينما تمتلك الدولة ترسانة عسكرية متطورة للغاية، إلا أنها تعاني من فقر حاد في “العمق الجغرافي”.
وينقل التقرير عن خبراء عسكريين أن هذه المساحة الضيقة تضع إسرائيل في موقف حرج للغاية عند مقارنتها بالامتداد الجغرافي الشاسع لخصومها الإقليميين، وعلى رأسهم إيران. وتبرز هنا “المعادلة الصفرية” في الحروب الحديثة:
حرب الاستنزاف التقليدية: حيث تستطيع البيئة الإقليمية المحيطة تحمل ضربات متتالية لسنوات بفضل الامتداد البشري والجغرافي.
السيناريو النووي أو الصاروخي المكثف: يوضح التحليل الإستراتيجي للمجلة أن تعرض رقعة جغرافية صغيرة وضيقة بحجم إسرائيل لضربات صاروخية مكثفة ومستمرة، أو لبضعة تفجيرات غير تقليدية، كفيل بجعل أجزاء حيوية من البلاد غير صالحة للسكن لفترات طويلة، مما يهدد مفهوم “الملجأ الآمن” الذي قامت عليه الفكرة التأسيسية.
ثانياً: تصدع “ممتصات الصدمات الاجتماعية” والشرخ الداخلي
لا تتوقف “نيوزويك” عند التهديد العسكري الخارجي فحسب، بل تغوص عميقاً في “التهديد الوجودي الداخلي”. ووفقاً لتقرير المجلة، فإن إسرائيل لطالما اعتمدت على ما يسمى بـ “ممتصات الصدمات الاجتماعية” (Societal Shock Absorbers) – وهي حالة التلاحم القومي التي تظهر فوراً عند حدوث أي خطر خارجي لتتجاوز الفوارق العرقية، والدينية، والسياسية.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تآكلاً غير مسبوق في هذا التلاحم نتيجة:
الاستقطاب السياسي الحاد: الصراع المستمر حول هوية الدولة وصلاحيات القضاء والنزاع بين التيارين العَلماني والديني المتزمت.
العبء الاقتصادي والعسكري المتباين: حيث تشعر الطبقة الوسطى العَلمانيّة (التي تمثل عصب الاقتصاد والجيش التكنولوجي) بأنها تتحمل العبء الأكبر، بينما تتسع شريحة التيارات الدينية المعفاة من الالتزامات العسكرية والإنتاجية، مما يخلق شرخاً بنيوياً هادماً للمجتمع من الداخل.
ثالثاً: تحول السند الدولي وعزلة “أمريكا الزرقاء”
وفي الشق الدبلوماسي والدولي، تبحث “نيوزويك” في التغير الجذري الطارئ على الحليف الأكبر لإسرائيل: الولايات المتحدة الأمريكية. ويسلط التقرير الضوء على أن الدعم الأمريكي الأعمى لم يعد شيكاً على بياض، خاصة مع التغير الديمغرافي والسياسي داخل واشنطن.
ويوضح التحليل أن هناك فجوة متنامية بين جيل الشباب الأمريكي (لا سيما في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي أو ما يُعرف بأمريكا الزرقاء) وبين السياسات الإسرائيلية؛ حيث بات ينظر إلى الصراع من منظور “حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية” بدلاً من المنظور الإستراتيجي التقليدي الذي ساد الحرب الباردة. وتخلص المجلة إلى أن بقاء إسرائيل ديبلوماسياً واقتصادياً على المدى الطويل يتطلب إعادة تموضع قادرة على استيعاب هذه التحولات الدولية، وتجنب العزلة الشاملة في المحافل الأممية والمحاكم الدولية.
رابعاً: معضلة الأمن التكنولوجي والحروب السيبرانية
تشير المجلة إلى أن الميزة النسبية الكبرى لإسرائيل كانت دائماً تكمن في “التفوق التكنولوجي النوعي” (Qualitative Military Edge). لكن التقرير يحذر من أن هذه الفجوة تضيق بسرعة تكنولوجية فائقة؛ فامتلاك الخصوم لتقنيات الطائرات المسيرة الرخيصة والذكية، وتطوير قدرات هائلة في الهجمات السيبرانية (Cyber-attacks) القادرة على شل البنية التحتية، يهدد بتحييد هذا التفوق التكنولوجي التقليدي.
ووفقاً للتقرير، فإن منظومات الدفاع الجوي المتطورة (مثل القبة الحديدية وسهم ومقلاع داوود) رغم كفاءتها العالية، تواجه تحدي “الاقتصاد العسكري”؛ إذ إن كلفة الصواريخ الاعتراضية تفوق بأضعاف مضاعفة كلفة المقذوفات الهجومية، مما يجعل الحروب الطويلة والمستمرة حرباً استنزافية للخزينة والاقتصاد بشكل مباشر.
البقاء مشروط بالمرونة لا بالقوة المطلقة
تختتم مجلة “نيوزويك” (Newsweek) تقريرها الإستراتيجي بخلاصة مفادها: إن الإجابة على سؤال “هل تستطيع إسرائيل البقاء؟” ليست بنعم أو لا مطلقة، بل هي إجابة مشروطة بقدرة الدولة العبرية على تغيير مفهومها للأمن.
فالقوة العسكرية المحضة والاعتماد على الجدران والأسلاك الشائكة والردع الناري لم يعودوا كافيين لضمان البقاء في بيئة إقليمية ودولية شديدة السيولة والتحول. وإن البقاء الحقيقي -حسب رؤية المحللين في نيوزويك- سيعتمد في نهاية المطاف على مدى قدرة إسرائيل على حل صراعاتها الداخلية، وتحقيق صيغة استقرار سياسي مع جيرانها، والتكيف مع عالم جديد لم تعد فيه القوى العظمى مستعدة لخوض حروب الآخرين إلى مالا نهاية.
