نجح فريق دولي من علماء الفلك في فك شفرة تقنية بصرية مبتكرة تُعرف باسم “خدعة ثقب المفتاح” (Keyhole trick)، مكنت تلسكوب “جيمس ويب” الفضائي (JWST) من تجاوز حدوده البصرية التقليدية، والتقاط صور فائقة الدقة والوضوح لأجرام سماوية متقاربة للغاية، كان يُعتقد سابقاً أن رؤيتها بشكل منفصل أمراً مستحيلاً.
التقنية الجديدة، التي تعتمد على مفارقة غريبة تتمثل في “حجب معظم الضوء القادم من مرآة التلسكوب العملاقة”، ستفتح الباب على مصراعيه أمام استكشاف الكواكب القريبة جداً من نجومها، وفهم الآليات الداخلية المعقدة للمجرات البعيدة.
يمتلك تلسكوب “جيمس ويب” مرآة ضخمة يبلغ قطرها 6.5 متر، وهي حساسة للغاية لرصد المجرات الخافتة في بداية الكون. لكن عندما يتعلق الأمر بفصل جِرمين سماويين شديدي القرب من بعضهما – حيث يندمجان عادة في نقطة ضوئية واحدة ضبابية – تصبح “الدقة الزاوية” هي التحدي الأكبر.
ولحل هذه المشكلة، استخدم العلماء أداة تُدعى “مقياس تداخل قناع فتحة العدسة” (AMI)، وهو قرص معدني صغير يبلغ عرضه 5 سنتيمترات فقط، مثقوب بسبعة ثقوب عشوائية، ومدمج داخل أحد أجهزة التلسكوب الرئيسية (NIRISS).
كيف تعمل التقنية؟
تمر الحزم الضوئية عبر هذه الثقوب الصغيرة فقط، مما يحول مرآة التلسكوب الضخمة إلى ما يشبه شبكة من التلسكوبات الصغيرة المترابطة. ومن خلال دمج هذه البقع المضيئة المتبقية عبر تقنية “التداخل” (Interferometry)، يتم إلغاء الضوضاء الضوئية، مما يسمح بالوصول إلى أقصى دقة تفصيلية ممكنة لمرآة التلسكوب.
عطل غير متوقع والحل عبر “النمذجة الأمامية”
رغم العبقرية النظرية للفكرة، إلا أن النتائج الأولية بعد تشغيل التلسكوب في عام 2022 جاءت مخيبة لآمال العلماء بشكل كبير. وتبين لاحقاً أن شدة الضوء المار عبر القناع كانت تفوق قدرة كواشف الأشعة تحت الحمراء في التلسكوب، مما أدى إلى تسرب الشحنات الكهربائية بين بكسلات الكاميرا وتشويه أنماط التداخل الحساسة.
وفي دراسة نشرت حديثاً في مجلة الجمعية الفلكية الأسترالية، أعلن الباحثون عن نجاحهم في استعادة هذه القدرات المفقودة عبر ابتكار حل برمجى معقد يُعرف بـ “النمذجة الأمامية” (Forward Model).
وقام الفريق، بقيادة لويس ديسدويتس من مرصد ليدن وماكس تشارلز من جامعة سيدني، ببناء نموذج محاكاة رقمي دقيق يحاكي النظام بأكمله؛ بدءاً من بصريات التلسكوب وصولاً إلى فيزياء الكواشف والتشوهات الإلكترونية. ومن خلال مقارنة البيانات المشوهة الحقيقية بالنموذج وتعديلها مراراً وتكراراً، تمكنوا من إعادة بناء الصورة الأصلية النقية بدقة فائقة.
نتائج مذهلة: براكين “آيو” ونفاثات الثقوب السوداء
ولإثبات نجاح التقنية الجديدة، نشر العلماء صوراً اختبارية مذهلة استطاع التلسكوب فك شفرتها:
قمر المشتري (آيو): أظهرت الصور بوضوح المواقع البركانية الساخنة على سطحه.
الأنظمة النجمية الثنائية: رصدت التقنية بدقة كيف يقوم نجمان متقاربان بنحت الغبار الفضائي المحيط بهما.
قلب مجرة بعيدة: نجح التلسكوب في التقاط نفاث حلزوني متوهج من المواد المقذوفة بسرعة هائلة من ثقب أسود هائل.
الجائزة الكبرى: البحث عن كواكب قابلة للحياة
الهدف الأسمى والنهائي لهذه التقنية هو رصد الكواكب الخارجية مباشرة. فرغم اكتشاف آلاف الكواكب خارج مجموعتنا الشمسية، إلا أن الغالبية العظمى منها تم اكتشافها بطرق غير مباشرة. وتكمن أهمية التقاط الضوء المباشر من الكوكب في أنه يوفر معلومات هائلة حول مكونات غلافه الجوي وما يحدث على سطحه.
ويحتوي “جيمس ويب” بالفعل على أداة تسمى “الكوروناغراف” (حاجب ضوء النجوم) لرصد الكواكب، لكنها تحجب أيضاً المنطقة القريبة جداً من النجم، وهي المنطقة التي يعتقد العلماء أن الكواكب الصغيرة الصخرية الشبيهة بالأرض والقابلة للحياة تختبئ فيها.
ويؤكد ساشا هينكلي، من جامعة إكستر، أن تقنية قناع التداخل الجديدة ستسمح للعلماء بالنظر في هذه “المنطقة المحظورة سابقاً”، مما يجعل القدرة على الرؤية أسفل حاجب الضوء التقليدي قفزة نوعية غير مسبوقة في تاريخ استكشاف الفضاء.


