الرئيسيةالعالمحرب إيران تستنزف مخزونات الأسلحة الأمريكية

حرب إيران تستنزف مخزونات الأسلحة الأمريكية

spot_img

أحدثت الحرب الدائرة في منطقة الخليج العربي هزات ارتدادية عالمية عنيفة؛ إذ تسببت في زعزعة الاقتصاد العالمي، وتوتير التحالفات الأمريكية، وفرض اضطرابات ملحمية على حرية الملاحة البحرية، فضلاً عن دفع نظام حظر الانتشار النووي إلى حافة الهاوية. ولكن أحد أهم التداعيات الأكثر خطورة وزعزعة للاستقرار جراء هذا الصراع تمثّل في تسليط ضوء كاشف وحاد على “الإفلاس الاستراتيجي” للولايات المتحدة، وفقاً لتقرير تحليلي موسع نشرته مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) الأمريكية للكاتب هال براندز، أستاذ الشؤون العالمية في مدرسة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة.

وكشف براندز في مقاله بـ “فورين بوليسي” أن الحرب ورغم ما شهدته من إنجازات تكتيكية مبهرة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، مثل تصفية عشرات المسؤولين الإيرانيين رفيعي المستوى في الساعات الأولى من القتال، إلا أن نتائجها الاستراتيجية كانت أكثر غموضاً وضررًا. حيث تسببت الحرب في استنزاف مخيف لمخزونات الأسلحة الأمريكية الرئيسية، وانتزعت قدرات عسكرية حيوية من مسارح عمليات أخرى لا تقل خطورة، مسببة ضغوطاً هائلة على جيش يحاول منذ فترة طويلة جداً تحقيق الكثير بـأقل القليل.

الفاتورة الباهظة: استنزاف ثلث مخزون “التوماهوك” ومعضلة إعادة التعبئة
دفعت الحرب ثمناً باهظاً لا لبس فيه من مخزونات الأسلحة الأمريكية المتطورة والمحدودة. ونقلت “فورين بوليسي” عن تقديرات موثقة لـ “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS)، أن القوات الأمريكية أطلقت أكثر من 1,000 صاروخ كروز بعيد المدى من طراز “توماهوك” (Tomahawk)، أي ما يعادل تقريباً ثلث إجمالي المخزون الأمريكي كاملاً، وذلك خلال مرحلة القتال العنيف من أواخر فبراير/شباط وحتى أوائل أبريل/نيسان.

وأوضح الكاتب في متن مقاله أن تلك المرحلة استهلكت أيضاً نحو ربع مخزون الجيش من صواريخ “جاسم” (JASSM)، ونحو 30% إلى 60% من صواريخ “إس إم-3” الاعتراضية، وغالبية صواريخ منظومة “ثاد”، ونحو نصف صواريخ “باتريوت” المتوفرة لدى البنتاغون لحماية القوات والشركاء من المسيرات والصواريخ الإيرانية. وبمعدلات الإنتاج الحالية، قد يستغرق الأمر ما يصل إلى أربع سنوات لمجرد استبدال الأسلحة التي استُخدمت في هذه الحرب، مما يحرم مسرح غرب المحيط الهادئ (تايوان) من ركائز ردع الصعود الصيني.

ترامب: من شعارات الانضباط إلى التدخل المفرط في كل اتجاه
أشارت مجلة “فورين بوليسي” إلى أن الرئيس دونالد ترامب لم يكن هو من خلق مشكلة التمدد العسكري، بل هي معضلة تراكمت عبر إدارات متعاقبة (أوباما وبايدن) بسبب فجوة الإنفاق العسكري. إلا أن ولاية ترامب الثانية، التي وعدت بالانضباط والتركيز على آسيا والخروج من الشرق الأوسط، جلبت بدلاً من ذلك تدخلاً مفرطاً ونشاطاً عسكرياً محموماً في جميع الاتجاهات؛ شمل حرباً ضد الحوثيين مطلع 2025، وضرب منشآت إيران النووية في يونيو 2025، وحصار فنزويلا واقتحام كاراكاس للقبض على الرئيس نيكولاس مادورو، مع الاستمرار في تزويد أوكرانيا بالأسلحة.

وأدت هذه المهام اللامتناهية إلى إخراج الجيش الأمريكي من مواقعه الصحيحة لإدارة الأزمات الطارئة؛ حيث اضطرت حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” للركض من الكاريبي عائدة إلى الشرق الأوسط لتعويض النقص الإقليمي، مما دفع الأسطول وجاهزية الأفراد إلى حافة الإنهاك التام.

كابوس مضيق تايوان: بكين تستغل الانشغال الأمريكي و2025 عام “الراية الحمراء”
يتمثل الخطر الأكبر، بحسب المقال المنشور في “فورين بوليسي”، في أن تؤدي حرب الخليج إلى زيادة احتمالية نشوب حرب أكثر ضراوة في مضيق تايوان ضد الصين، وهو ما سيكون كابوساً دموياً يفجر سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية وممرات التجارة العالمية. وتستغل بكين هذا الانشغال المستنزف لمخزونات واشنطن لتعزيز نفوذها؛ حيث نقل الكاتب عن سام روجيفين، الخبير في شؤون جيش التحرير الشعبي، وصفه لعام 2025 بأنه “عام الراية الحمراء” للجيش الصيني الذي توسع في إنتاج حاملات الطائرات ومقاتلات الجيل السادس وترسانته النووية، وسط توجيهات من الرئيس شي جين بينغ لجنرالاته بالجاهزية لعملية تايوان بحلول عام 2027.

ورغم أن كفاءة واشنطن في استخدام الذخائر المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأول مرة على نطاق واسع في عملية “عاصفة الملحمة” ضد إيران قد تمنح بكين وقفة للتفكير، إلا أن الضعف المادي الأمريكي والاضطرار لسحب وحدات مشاة البحرية ومنظومات “ثاد” من كوريا الجنوبية واليابان بدأ يثير قلق الحلفاء ويدفعهم نحو خيارات “الاعتماد على الذات”، لا سيما بعد تأجيل واشنطن تسليم 400 صاروخ توماهوك لليابان.

خيارات المستقبل: بين تعزيز القدرات الصناعية والدخول في “زمن الهشاشة”
وخلص هال براندز في ختام تحليله عبر “فورين بوليسي” إلى أن خيارات واشنطن القادمة ستحدد عمق ومدى خطورة “منطقة الخطر” الجيوسياسية الحالية. وهناك مؤشرات إيجابية تتمثل في اقتراح إدارة ترامب زيادات تاريخية في ميزانية الدفاع لتصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوجه حلفاء الديمقراطيات في أوروبا والمحيط الهادئ لبناء قاعدة صناعية دفاعية متكاملة لإنتاج الصواريخ وبناء السفن لصالح البحرية الأمريكية.

إلا أن المؤشرات السلبية تظل قوية؛ فالقاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية مليئة بنقاط الهشاشة والاختناقات التي تمنع التوسع السريع في الإنتاج، كما أن الوضع المالي المتدهور لواشنطن يجعل الإنفاق الدفاعي الضخم أمراً صعباً سياسياً واقتصادياً. وينهي الكاتب تحليله مؤكداً أن النتيجة الحتمية لحرب استنزاف أخرى في الشرق الأوسط ستكون دخول الولايات المتحدة في فترة “هشاشة استراتيجية” أعمق، ستحدد القرارات الحالية للحكومة وحلفائها مدى دموية وطول هذا المنعطف الخطير.

أحدث الأخبار

متطرف من اليمين الإنجليزي المتطرف يشعل النار في منزل إمام بولتون

شهد حي "شاربلز" الهادئ في مدينة بولتون البريطانية مساء الأربعاء حادثا مروّعا حين ألقى...

حادث طعن في بلفاست يشعل توترات ضد المهاجرين

بعد ليلة شهدت فيها أيرلندا الشمالية أعمال عنف واضطرابات على خلفية هجوم بالطعن، أعلنت...

ضربات أمريكية على مواقع عسكرية داخل إيران

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، فجر الخميس، أنها استكملت موجة هجمات واسعة ضد عدة...

إغلاق مضيق هرمز.. والحرس الثوري يقصف أهدافا بالكويت والبحرين والأردن

أعلن مقر خاتم الأنبياء العسكري في إيران، فجر الخميس، إغلاق مضيق هرمز أمام جميع...

قد يهمك أيضا

متطرف من اليمين الإنجليزي المتطرف يشعل النار في منزل إمام بولتون

شهد حي "شاربلز" الهادئ في مدينة بولتون البريطانية مساء الأربعاء حادثا مروّعا حين ألقى...

حادث طعن في بلفاست يشعل توترات ضد المهاجرين

بعد ليلة شهدت فيها أيرلندا الشمالية أعمال عنف واضطرابات على خلفية هجوم بالطعن، أعلنت...

ضربات أمريكية على مواقع عسكرية داخل إيران

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، فجر الخميس، أنها استكملت موجة هجمات واسعة ضد عدة...