الرئيسية العالم جدل حول مركز أوباما الرئاسي في شيكاغو

جدل حول مركز أوباما الرئاسي في شيكاغو

0
مركز أوباما الرئاسي في شيكاغو

يبدأ المشهد من الجانب الأكثر إشراقاً وديمقراطية في “مركز أوباما الرئاسي” الجديد، الواقع في الجانب الجنوبي من مدينة شيكاغو. ففي مراجعة نقدية موسعة نشرها المحلل المعماري جاستن ديفيدسون في مجلة “نيويورك” (New York Magazine)، يصف الكاتب السير عبر المسارات الملتوية للحديقة المصممة بحس حركي مرهف من قِبل مؤسسة “مايكل فان فالكنبرج وشركاه” بأنها تجربة تمنح الزائر شعوراً بالانفتاح والإمكانية؛ حيث المساحات الخضراء والملاعب المعقدة والأشجار الناشئة التي ترحب بالجميع دون استثناء.

وضمن هذا الفضاء الممتد، تم تشييد تلة اصطناعية خصيصاً لتوفير تضاريس مرتفعة تتيح لأطفال الحي الاستمتاع بالتزلج على الجليد في فصل الشتاء، تعويضاً عن الحرمان الذي عاشته ابنة الحي “ميشيل أوباما” في طفولتها بسب استواء أراضي شيكاغو.

ويرى ديفيدسون في مقاله بمجلة “نيويورك” أنه لو اقتصر هذا المشروع -الذي كلف 850 مليون دولار- على المنتزه والملعب الفريد، بالإضافة إلى الفرع الجديد الجذاب لـ “مكتبة شيكاغو العامة” المندس أسفل شرفة طبيعية، لكان بمثابة إيماءة متواضعة وجميلة من رئيس عُرف بحبه للأطفال والهواء الطلق، وجوهرة محلية تستحق الاحتفاء؛ لكن الحقيقة الكامنة في قلب هذا الحرم البالغة مساحته 19 فداناً (وهي مساحة تتجاوز مجمع مركز التجارة العالمي أو مركز لينكون) مغايرة تماماً.

صرح فرعوني في أمريكا الزرقاء
وتتحول البهجة إلى ذهول بمجرد مواجهة الكتلة الصخرية الضخمة التي تتربع في قلب المركز. ويؤكد الكاتب في مجلة “نيويورك” أنه خلف هذه الجدران الغرانيتية السميكة، يجد الزائر نفسه داخل “مزار مظلم متعدد الطوابق” كُرّس لتمجيد الرئيس بوصفه مخلّصاً؛ حيث تومض رسائل التواضع الزائف من كل جدار وشاشة، مرددة صوت باراك أوباما الدافئ والحازم وهو يقول: “أنا لا أطلب منكم الإيمان بقدرتي على التغيير، بل بقدرتكم أنتم”. وفي قمة المبنى، نُحتت عبارة من خطاباته بحروف خرسانية يبلغ ارتفاعها خمسة أقدام تقول: “إن الكلمة الأكثر قوة في ديمقراطيتنا هي كلمة: نحن”.

ويعلق ديفيدسون بجرأة وصرامة في متن تقريره قائلاً:

“دعونا نكون واضحين؛ على الرغم من لغة المجتمع والشمولية التي تشع من هذه المنارة الغرانيتية، فإن المركز يرتكز بالكامل عليه هو وحده. إن المشروع يثبت أن ‘جنون العظمة’ يزدهر في أمريكا الليبرالية الزرقاء تماماً كما يزدهر في أمريكا المحافظة الحمراء.. إذا كان ترامب يريد لقوسه في واشنطن أن يصل ارتفاعه إلى 250 قدماً، فإن ‘الأوباماليسك’ (Obamalisk) يرتفع بالفعل إلى 225 قدماً”.

وتسرد قاعات العرض، المليئة بالشعارات والصور وأقواس قزح، تاريخ الرئيس الـ44 للولايات المتحدة بطريقة توحي وكأن المسار التاريخي بأكمله لحركة الحقوق المدنية لم يكن يهدف إلا إلى شيء واحد: انتخاب باراك أوباما؛ حيث تُعرض سنواته الأولى كمنظم مجتمعي، وأب شاب، وصولاً إلى الانتصارات والخطابات واللقطات التذكارية، ليتحول هذا الصرح البالغة مساحته 45 ألف قدم مربع إلى مساحة من البكاء الليبرالي الجماعي المرير الذي يتساءل حسرة: “ألا يمكنه العودة إلينا؟”.

عبقرية الهندسة وتناقض المفهوم المعماري
وقد نجح مكتب المعماريين “تود ويليامز وبيلي تسيين” (TWBTA) في تنفيذ أجندة الرئيس بأدق التفاصيل والرموز؛ إذ تم نحت جدران المبنى لتتسع وتنحني مثل أربعة أيدي مضمومة معاً في إيماءة ترمز إلى الوفاق والسلام. وجاء الطابق العلوي متوجاً بعمل فني للمبدع إدريس خان، حيث خُتمت آلاف الكلمات من خطابات أوباما يدوياً على السقف المخروطي الممتد نحو لوحة مضيئة، في دلالة بصرية صريحة تربط بين “البلاغة الخطابية والبعث الروحي”.

ورغم هذا التحكم العبقري في الهندسة والتكامل المذهل بين الفن والعمارة -والذي يشمل نافذة لوّنتها جولي ميهريتو ترتفع 83 قدماً بمحاذاة السلم الكهربائي، وعملاً فولاذياً للمثال مارتن بوريير يحمل اسم “Bending the Arc” في الساحة الخارجية- إلا أن ديفيدسون يرى في مجلة “نيويورك” أن كل هذا التدقيق المعماري لا يفعل شيئاً سوى إبراز الغرابة والتناقض الصارخ في المفهوم؛ فالمتاحف تكره النوافذ، ولذلك خرج البرج بملامح “حصن دفاعي من العصور الوسطى”، يبدو كئيباً وهجومياً من الخارج، على النقيض تماماً من المنتزه الترحيبي المحيط به.

برج النخبة في حديقة الفقراء
وتبرز المفارقة الساخرة واللاذعة التي تدمي قلوب سكان شيكاغو؛ إذ لا يزال المحافظون والجمهوريون عبر البلاد غاضبين من سياسات ديمقراطية قديمة أسكنت ملايين الأمريكيين في مجمعات سكنية عامة فاشلة اعتمدت نموذج “البرج داخل المنتزه” (Tower-in-a-park) -والتي احتوى الجانب الجنوبي لشيكاغو على الكثير منها قديماً قبل أن تتحول إلى خيبات أمل مأساوية-.

واليوم، وبحسب نقد ديفيدسون اللاذع في مجلة “نيويورك”، يأتي أبرز حامل لشعلة الليبرالية في هذا الجيل ليرفع “برجه الخاص” داخل منتزه عام، ليس لإسكان الجماهير والفقراء، بل لتأتي الجماهير وتطوف حول صرحه تمجيداً له! بل إن المجمع قد يكون تسبب بالفعل في تفاقم أزمة السكن في المدينة؛ حيث تشير التقارير المحلية إلى أن وجوده تسبب في رفع أسعار الإيجارات وجذب المضاربين العقاريين وأصحاب الرساميل لتهديد أمن السكان الأصليين الاقتصادي.

ويجدر بالذكر أن هذا المركز ليس مكتبة رئاسية تحوي وثائق الإدارة (إذ إن السجلات الرسمية لا تزال محفوظة في الأرشيف الوطني بولاية ميريلاند)، بل أريد له أن يكون مؤسسة محلية ومقراً لـ “مهمة عالمية”. ويستحضر الكاتب هنا مقولة مخطط شيكاغو الشهير دانيال بورهام: “لا تضعوا خططاً صغيرة؛ فليس فيها سحر يثير دماء الرجال”.

ومن المفارقات التاريخية أن يرتفع هذا المجمع الطموح لأول رئيس أسود على ذات الموقع الذي شهد إقامة “المدينة البيضاء” (White City) -وهي المدينة الكلاسيكية الخيالية النيوكلاسيكية التي أقيمت لمعرض كولومبيا العالمي عام 1893- وإن كان من المؤسف أن المنتزه نفسه يحمل اسم الرئيس “أندرو جاكسون”، المدافع الشرس عن العبودية.

وفي يوم الافتتاح الإعلامي، اجتمع مسؤولو المؤسسة، وعلى رأسهم الرئيسة التنفيذية والمستشارة المقربة السابقة لأوباما، فاليري جارات، في القاعة المريحة ليؤكدوا أنهم يظلون سفراء مخلصين لأجندة “الأمل والتغيير”، من خلال تنظيم المعارض، وتعليم الطلاب، وتوفير وظائف وملاعب كرة سلة لأطفال الحي.


ويختتم جاستن ديفيدسون تقريره التحليلي في مجلة “نيويورك” بنبرة يمتزج فيها الأسف بالواقعية؛ مشيراً إلى أنه بعد قضاء فترة من الوقت داخل جنبات المركز، فإن كل تلك التأكيدات على الإخلاص والشكر، والاستدعاء المستمر لشخص “الرئيس الحقيقي الأوحد”، والمعرض العقائدي في الطوابق العليا، يمنح المكان بأكمله بريقاً سينمائياً “طائفياً” يغلفه حنين جارف للماضي (Nostalgia).

لقد تحول صانعو وصياغ المستقبل إلى مجرد حراس وحاميين لماضٍ متفائل ولى وانقضى. وربما يكون هذا المبنى -في نهاية المطاف- مصمماً بشكل صحيح تماماً من الناحية الرمزية؛ كونه يمثل “شاهد قبر ضخم ومكلف” لحلم جيل كامل مضى، جيل كان يؤمن يوماً وبسذاجة أن الأمريكيين يمكن أن توحدهم فكرة تأسيسية واحدة، قبل أن تبتلعهم صراعات الاستقطاب وجنون العظمة الفردية.

لا يوجد تعليقات

اترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

Exit mobile version