الرئيسية العالم بطولة كأس العالم باهتة وسط فتور صادم وتجاهل جماهيري

بطولة كأس العالم باهتة وسط فتور صادم وتجاهل جماهيري

0
بطولة كأس العالم باهتة

اعتاد عشاق الساحرة المستديرة على تسمية بطولة كأس العالم، بلا منازع، بالحدث الرياضي الأكبر والأكثر إثارة على وجه الكوكب. ولكن مع اقتراب انطلاق النسخة الجديدة من البطولة في قارة أمريكا الشمالية، يبدو أن أحداً لا يكترث بها حقاً؛ إذ ما زالت آلاف التذاكر تئن في منافذ البيع دون مشترٍ، بل إن بعضها أُعيد بيعه في الأسابيع الماضية بأسعار قلّت بكثير عن قيمتها الرسمية الصادمة والمبالغ فيها، وفقاً لتحليل موسع نشره الكاتب ديفيد والاس-ويلز في صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) الأمريكية.

أشار والاس-ويلز في مقاله بـ “نيويورك تايمز” إلى أن المدن المستضيفة في الولايات المتحدة لم تشهد الانتعاشة المتوقعة في حركة الملاحة الجوية، في حين تبخرت آمال الفنادق التي راهنت على تدفق ملايين الدولارات إلى خزائنها بعد أن اضطر الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) إلى إلغاء حجوزات جماعية كاملة للغرف. وترافق هذا الفتور مع تصاعد وتيرة الحديث عن “مقاطعة عالمية” للبطولة كنوع من الاحتجاج السياسي ضد الرئيس دونالد ترامب؛ تعبيراً عن الرفض لحروبه المستعرة، وسياساته الحدودية المتشددة، وما يوصف بغطرسته الإمبراطورية.

ورغم أن من المؤكد أن منسوب الاهتمام بالبطولة سيرتفع بمجرد إطلاق صافرة البداية، إلا أن الكاتب أكد أن حالة الترقب الحالية تبدو باهتة وضئيلة، لاسيما إذا ما قورنت بالزخم الصاخب الذي رافق نهائي دوري أبطال أوروبا للأندية بين أرسنال وباريس سان جيرمان. ويحمل هذا التراجع مؤشرات عميقة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتكشف عن تحولات جذرية في المشهد السياسي والثقافي العالمي.

ورأى الكاتب أن الخفوت العالمي تجاه المونديال يمثل لغزاً حقيقياً؛ فقد كان المتوقع أن يؤدي صعود موجة “الوطنية السياسية” والشعبوية حول العالم إلى طفرة مماثلة في “الوطنية الكروية” والالتفاف حول المنتخبات. ولكن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ تزامن عصر الشعبوية العالمية مع انفجار الاهتمام بأندية النخبة الأوروبية، وهي عبارة عن تشكيلات مدفوعة الأجر تجمع مواهب من كل حدب وصوب، وتمتلكها شركات عملاقة ترعاها تكتلات تجارية أجنبية.

ولم يعد أحد يجرؤ على الاستشهاد بقوة المشاعر تجاه المنتخبات الوطنية ليعكس طبيعة العصر الشعبوي الحالي؛ فالأندية الكبرى بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي خطة ممنهجة لتكديس المواهب العالمية وإعادة تصديرها لشاشات التلفزيون والكابل حول العالم.

وتحولت ظاهرة تشجيع الأندية إلى حالة عولمية اعتباطية عابرة للهويات؛ حيث استشهد المقال برئيس بلدية نيويورك (المنحدر من أصول هندية والمولود في أوغندا) الذي يحتفل باكتساح أرسنال لدوري الأبطال بحماس يفوق تشجيعه لفرق مدينته، بينما يحتفل مشاهير الرياضة في ماساتشوستس بنجاة توتنهام من الهبوط بشغف يضاهي ولاءهم التقليدي لفرقهم المحلية.

المنتخبات كساحة حرب ثقافية ضد اليمين المتطرف
ولفت ديفيد والاس-ويلز في سطور مقاله إلى أن المنتخبات الوطنية، التي كان يُفترض أن تكون ترياقاً يعيد ملء الفراغ الروحي والوطني لمن يشعرون بضياع الهوية، تحولت إلى ساحة مواجهة دموية وباردة تفكك الفكرة التقليدية عن الدولة. وتبرز الأزمة بوضوح في النموذج الفرنسي؛ ففي زمن صعود “مارين لبان” وحزبها اليميني المتطرف (التجمع الوطني)، انشغلت الجماهير بالهجوم الحاد على النجم الأسود والوجه الأبرز للمنتخب “كيليان مبابي” بعد أن عبر عن قلقه من صعود اليمين وتأثيره على مستقبل البلاد، ليرد عليه قادة الحزب بمعاملته كـ “دخيل خائن” لا يستحق أن يكون وعاءً لخرق وطنيتهم.

ولم تعد هذه الصراعات استثناءً؛ فتشكيلات المنتخبات الوطنية اليوم باتت تُستمد من شتات متنوع وجيوب داخلية للهجرات الحديثة، وهي صورة لا تطابق بأي حال من الأحوال أوهام “الدم والتربة” (Blood and Soil) التي يعتنقها اليمين المتطرف. وهذا التحول هو ما جعل شخصيات مثل باراك أوباما تحتفي بفوز فرنسا بمونديال 2018 كرمز للتنوع، في حين أنتج مشاعر مريرة من الاستياء والندم لدى القوميين البيض الذين يرون أن دولتهم باتت تمثل نموذجاً لا يشبههم.

تفكك الدولة الوطنية
وأثبتت التحولات الراهنة أن العولمة لم تنتج فقط رد فعل عنيفاً بين المتضررين من هروب رؤوس الأموال وفقدان الوظائف الصناعية، بل جعلت “الدولة الوطنية” نفسها وحدة سياسية واجتماعية غير موثوقة بالنسبة للكثيرين على اليمين واليسار؛ ففي بريطانيا، وفي ذروة عصر “حزب الإصلاح”، تنشغل شوارع لندن بأخبار أرسنال أكثر من اهتمامها بمنتخب “الأسود الثلاثة”، وباتت جولة لم الشمل لفريق الموسيقى “أوايزيس” تمثل حدثاً لتوحيد الأمة أكبر بكثير من كأس العالم.

وساهمت خطايا الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) وفضائح الفساد المدوية لعام 2015، وإصرار رؤسائه المتلاحقين على توجيه البطولة نحو خيارات سياسية (من روسيا إلى قطر وصولاً إلى الولايات المتحدة)، في تجريد المشهد من بريقه الإنساني وتحويله إلى منتج شركات باهت وشاحب ومستنزف.

وخلص ديفيد والاس-ويلز في ختام تحليله عبر صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن تشجيع أندية مثل أرسنال أو باريس سان جيرمان بات اليوم الخيار الأكثر جاذبية وراحة للجميع (ليبراليين ومحافظين على حد سواء)؛ لسبب بسيط وصادم: وهو أن تشجيع هذه الأندية أضحى نشاطاً ممتعاً ولكنه “عديم المعنى” سياسياً وأيديولوجياً، مما يمنح الجماهير مهرباً مؤقتاً من طواحين الحروب الثقافية والأزمات الوطنية الطاحنة التي تمزق مجتمعاتهم.

لا يوجد تعليقات

اترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

Exit mobile version