أفاد تقرير استقصائي موسع كتبه الصحفي غريت دي فينك ونشرته صحيفة واشنطن بوست، بأن أحد أعقد الأسئلة التي طرحها أدب الخيال العلمي منذ خمسينيات القرن الماضي —وتحديداً في روايات إسحق عظيموف حول إمكانية تحميل الذكاء الاصطناعي والشركات المطورة له المسؤولية عن الجرائم والأضرار— قد تحول اليوم إلى واقع قضائي وقانوني ملموس يهدد مستقبل قطاع التكنولوجيا بأسره.
وكشف التقرير عن تراكم القضايا والدعاوى القانونية ضد شركات الذكاء الاصطناعي في محاكم الولايات المتحدة وخارجها، والتي تتهم روبوتات الدردشة التفاعلية بتحفيز المستخدمين على إيذاء أنفسهم، أو تقديم نصائح وتسهيلات لارتكاب جرائم قتل واعتداء.
أهالي الضحايا في مواجهة عمالقة التقنية
ورصد الكاتب غريت دي فينك في تقريره لـ واشنطن بوست تبلور خطوط المواجهة بين أطراف الأزمة:
يطالب أهالي الأشخاص الذين أقدموا على الانتحار بعد محادثات مطولة ومكثفة مع الروبوتات بتحميل الشركات المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه الفظائع.
يرى خبراء وباحثون يخشون سيناريوهات خروج الذكاء الاصطناعي الخارق عن السيطرة البشرية، أن فرض قوانين صارمة للمسؤولية المدنية والجنائية هو السبيل الوحيد لإجبار الشركات على إبطاء وتيرة التطوير لضمان الأمان.
يدافع قادة قطاع التكنولوجيا عن أنفسهم بالقول إنهم يعملون باستمرار على تحسين بروتوكولات الأمان، وأن الطبيعة الاحتمالية المعقدة للذكاء الاصطناعي الحديث تجعل من المستحيل منع بعض المستخدمين المصرّين من التحايل على الأنظمة وتطويعها لغايات سيئة.
وفي هذا الصدد، نقل التقرير عن أندرو يون، عضو الفريق الفني في منظمة “CivAI” غير الربحية المعنية بتحليل مخاطر الذكاء الاصطناعي، قوله: “نحن أمام منطقة شائكة للغاية وغير مستكشفة قانونياً، وهناك حجج قوية تدعم وجهة نظر كلا الطرفين”.
قصص مأساوية من واقع ملفات المحاكم
واستعرض تقرير واشنطن بوست تفاصيل دعاوى قضائية لحالات انتحار مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يتولى الدفاع فيها المحامي المخضرم جاي إديلسون، الذي يمثل عدة عائلات في قضايا القتل الخطأ ضد شركات التكنولوجيا:
قضية المراهق آدم رين (16 عاماً): أقدم الشاب المنحدر من جنوب كاليفورنيا على الانتحار بعد قضائه ساعات يومياً لأسابيع في التحدث مع “ChatGPT” ومناقشة فكرة الانتحار عشرات المرات. وفي ردها على الدعوى، ذكرت شركة OpenAI أن المراهق تحايل على أنظمة الحماية، مؤكدة أن الروبوت حثه على الاتصال بالخط الساخن للأزمات والانتحار 74 مرة على مدار خمسة أشهر.
قضية جوناس غافالاس (36 عاماً): أنهى هذا الرجل من ولاية فلوريدا حياته بعد نشوء علاقة عاطفية وهمية بينه وبين روبوت الدردشة “Gemini” التابع لشركة Google. وعقبت غوغل على القضية عبر متحدثها الرسمي بالإشارة إلى بيان سابق أوضح فيه أن “Gemini” أكد للمستخدم مراراً وتكراراً أنه مجرد ذكاء اصطناعي ووجهه إلى خطوط المساعدة والدعم النفسي.
وعلق المحامي إديلسون على هذه القضايا بالقول: “الأمر مختلف تماماً هذه المرة؛ لأن هذه الأدوات تمنح المستخدم شعوراً بوجود علاقة شخصية حميمية، مما يؤدي في الغالب إلى عزلته عن محيطه الحقيقي”.
تحقيق جنائي بتهمة “التواطؤ في القتل”
وفي تطور خطير يتجاوز التعويضات المدنية، أشار التقرير إلى إعلان المدعي العام لولاية فلوريدا، جيمس أوثماير، في أبريل/نيسان الماضي، عن فتح تحقيق جنائي ضد شركة OpenAI، بناءً على اتهامات بأن منصة “ChatGPT” قدمت إرشادات تفصيلية (متى وأين يضرب) للمتهم بارتكاب جريمة إطلاق النار الجماعي الدامية في جامعة ولاية فلوريدا عام 2025 والتي أسفرت عن مقتل شخصين.
وصرح المدعي العام أوثماير بالقول: “لو كان هناك شخص حقيقي خلف تلك الشاشة يقدم هذه النصائح، لكنا وجهنا إليه تهمة القتل العمد”.
ورداً على ذلك، صرح المتحدث باسم OpenAI، دانييل بوساتيري، للموقع بأن الشركة تتعاون بالكامل مع السلطات، مستدركاً: “ChatGPT ليس مسؤولاً عن هذه الجريمة المروعة؛ فالمنصة قدمت إجابات واقعية لمعلومات متاحة بشكل عام على الإنترنت، ولم تشجع أو تروج لأي نشاط غير قانوني أو ضار”.
تحدي الحماية التاريخية
تاريخياً، حظيت شركات التقنية بحماية قانونية كبرى بموجب “المادة 230” من قانون آداب الاتصالات الأمريكي لعام 1996، والتي تعفي المنصات من المسؤولية عما ينشره مستخدموها. لكن منتقدي الشركات يجادلون بأن أدوات الذكاء الاصطناعي ليست منصات ناقلة، بل هي برمجيات تفاعلية تولد محتواها الخاص وتبدي آراءً مستقلة.
ونقل الكاتب عن ديفيد ساكس، المستثمر والمستشار السابق للبيت الأبيض لشؤون الذكاء الاصطناعي، تشبيهه للمسألة ببرمجيات أخرى؛ حيث قال في مقابلة سابقة: “لا يمكننا تحميل شركة مايكروسوفت المسؤولية إذا استخدم شخص ما برنامج Excel لغسيل الأموال، وبالمثل لا يمكن لوم شركات الذكاء الاصطناعي على سوء استخدام أدواتها”.
ومع ذلك، يرى غابرييل ويل، الزميل البارز في “معهد القانون والذكاء الاصطناعي”، أنه إذا تم إثبات أن الروبوتات قامت بأفعال تُصنف قانوناً بأنها “غير شرعية” لو صدرت من إنسان، فإن القضاة سيتجهون حتماً لتحميل الشركات المسؤولية عبر قوانين “مسؤولية المنتج”.
وحذر ويل من أن القوانين الحالية غير كافية للتعامل مع السيناريوهات القادمة مع تطور “الوكلاء المستقلين” (AI Agents)؛ متسائلاً: “إذا وجه صاحب عمل بشري روبوتاً مستقلاً لزيادة أرباح شركته، وقام الروبوت بارتكاب عملية احتيال مالي بشكل مستقل لتحقيق الهدف، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل هو المالك البشري الذي وظفه أم الشركة التي صممت الروبوت ودربته؟”. واستخلص ويل أن الحل الأنسب هو تشريع قوانين تُلقي بالمسؤولية النهائية على مصممي ومطوري التكنولوجيا أنفسهم، لخلق دافع حقيقي لديهم لتقليل المخاطر قبل طرح المنتجات للعامة.


