واجه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان تهديداً متنامياً تمثّل في الطائرات المسيّرة التي يستخدمها حزب الله، والمزوّدة بكاميرات ومتفجرات، والمتصلة بالمشغّل عبر كابل ألياف ضوئية يحول دون التشويش عليها. وقد أدّت هذه الطائرات منذ وقف إطلاق النار الأخير في أبريل إلى مقتل أربعة جنود إسرائيليين على الأقل، بينهم سائق عسكري قُتل قرب الحدود.
أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن مواجهة هذا التهديد تتطلب مشروعاً خاصاً، وأعلن الجيش الإسرائيلي عن إنشاء مصنع لإنتاج آلاف الطائرات الانتحارية شهرياً. في المقابل، اعتمد حزب الله على تصنيع محلي للطائرات باستخدام مكونات تجارية وتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد، بتكلفة لا تتجاوز 400 دولار للوحدة، مستلهماً تجربة الحرب الروسية-الأوكرانية حيث أثبتت هذه الطائرات فعاليتها ضد قدرات التشويش المتقدمة.
قدّر الجيش الإسرائيلي أن لحزب الله نحو مئة مشغّل موزعين في الجنوب، استفادوا من فترة الهدنة لتدريبهم وتجهيزهم. وتتميّز هذه الطائرات بصغر حجمها وسرعتها التي تصل إلى 250 ميلاً في الساعة، إضافة إلى صعوبة رصدها بسبب غياب المعادن في هيكلها.
طوّر الجيش الإسرائيلي وسائل دفاعية متعددة لمواجهتها، من صواريخ موجهة بالليزر إلى الموجات الميكروية والشِباك وحتى الطلاء لتعطيل الكاميرات. غير أن خبراء أمنيين يرون أن هذه الطائرات ليست “مغيّرة لقواعد اللعبة”، لكنها تمثل إزعاجاً خطيراً يفرض على إسرائيل إعادة النظر في استراتيجيتها داخل لبنان.
منحت الطائرات المسيّرة الرخيصة والمرنة حزب الله قدرة على فرض تهديد جديد، في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تصعيداً متواصلاً بين إسرائيل وإيران وحلفائهما. هذا التطور يعكس انتقال التكنولوجيا العسكرية منخفضة التكلفة من ساحات الحرب في أوكرانيا إلى المنطقة، ما يفتح الباب أمام انتشار أوسع لهذه الأسلحة بين جماعات غير دولية. ويرى محللون أن التحدي لا يقتصر على إسرائيل وحدها، بل يهدد استقرار المنطقة بأكملها، ويضع القوى الدولية أمام معضلة جديدة في ضبط انتشار التكنولوجيا العسكرية الحديثة.
تُظهر هذه التجربة أن الحروب المقبلة لن تعتمد فقط على الأسلحة التقليدية أو الصواريخ بعيدة المدى، بل على أدوات صغيرة ورخيصة قادرة على إحداث أثر كبير بتكلفة محدودة. ومع استمرار تطور تقنيات الاتصال والتحكم، قد تتحول الطائرات المسيّرة إلى سلاح رئيسي في النزاعات غير التقليدية، ما يفرض على الجيوش الكبرى إعادة صياغة عقائدها الدفاعية لمواجهة خصوم أقل كلفة وأكثر مرونة.


