يشهد الجناح اليساري العالمي في الآونة الأخيرة حراكاً جديداً ومثيراً للقلق؛ إذ برز جيل فريد من الاشتراكيين الذين يسعون إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي عبر أدوات راديكالية تشمل فرض ضوابط صارمة على الأسعار، وزيادة هائلة في ضرائب الثروة، وإطلاق حملة تأميم واسعة النطاق. ونجح هؤلاء القادة، المدفوعون بنقمة عارمة وغضب شعبي جراء الحرب المستعرة في قطاع غزة، في جذب كتلة ناخبة هائلة وبمعدلات نمو استثنائية.
في تقرير لمجلة “إيكونوميست” البريطانية فإن أسماء شابة صعدت إلى واجهة المشهد السياسي فجأة، مثل “زاك بولانسكي” الذي يقود حزب الخضر في بريطانيا، و”زهران ممداني” عمدة نيويورك الجديد. وفي المقابل، أعادت هذه الموجة إحياء طموحات سياسيين مخضرمين؛ فالسياسي السبعيني “جان لوك ميلينشون” يخوض اليوم محاولته الرابعة للوصول إلى الرئاسة الفرنسية، مستنداً إلى دعم جارف من شباب “الجيل زد” (Generation Z) في العشرينيات من عمرهم، وهو الدعم الذي أعاد قصر الإليزيه إلى دائرة مرماه مجدداً.
ويمكن تسمية هذا الحراك بـ “اشتراكية الجيل زد”؛ ليس لأن كل معتنقيه من الشباب فحسب، بل لأنه يمثل علامة تجارية من اليسارية المصممة خصيصاً لتناسب عصر “تيك توك”، والتي يتبناها الثوار الشباب اليوم لقدرتها العالية على الانتشار الافتراضي.
العقيدة المصلحية: عندما يحل القلق من التضخم والذكاء الاصطناعي بدلاً من صراع الطبقات
تخلت اشتراكية الجيل الجديد عن الأفكار الجماعية الثقيلة أو شعارات “الاستيلاء على وسائل الإنتاج” التقليدية؛ لتصبح “اشتراكية الجيل زد” عقيدة مصلحية تركز على الذات أولاً (Me-First Doctrine). وتراجعت قضايا التغير المناخي والعدالة العرقية -التي كانت تهيمن على حقبة العقد الماضي وبداية العشرينيات- لتصبح قضايا هامشية، تماماً كالمسائل الاجتماعية الأخرى، باستثناء قضية غزة التي لا تزال محركاً عاطفياً رئيسياً.
وحلت مخاوف حادة بشأن التضخم، وأزمة السكن، والتهديد القادم من الذكاء الاصطناعي محل الاهتمامات القديمة، لتنتج خطاباً أكثر بساطة وفجاجة. ويعبر عن هذا التوجه “آفي لويس”، الزعيم المنتخب حديثاً للحزب الديمقراطي الجديد في كندا (وهي دولة تعاني من ركود شبه تام في الإنتاجية منذ عقد زمني)، بقوله علناً: “هذا البلد يسبح في الثروة، ويمكننا الحصول على أشياء جميلة”. وصار الترويج لفكرة وجوب وضع حد أقصى للأسعار لخفض الفواتير الشخصية، بينما يتولى شخص آخر (الأثرياء) دفع تكاليف الخدمات العامة، بمثابة رسالة مغرية للغاية وجاهزة للمشاركة والانتشار السريع.
“تخلت اشتراكية الجيل الجديد عن شعارات الاستيلاء على وسائل الإنتاج التقليدية، لتصبح عقيدة مصلحية تركز على الذات ومخاوف التضخم وأزمة السكن وتهديدات الذكاء الاصطناعي”.
المبادئ الثلاثة لليسار الجديد: عداء الشركات وعقلية “المجموع الصفري”
تتفق الحركات الاشتراكية الشابة عبر العالم -رغم تباين بعض تكتيكاتها محلياً- على ثلاثة مبادئ أساسية تشكل هويتها:
النمو الاقتصادي لا يفيد الفقراء: يتبنى هؤلاء عقلية “المجموع الصفري” (Zero-Sum Mindset)، حيث يعتقدون أن النتيجة الأفضل للمجتمع لا تأتي من خلق ثروات جديدة، بل من مصادرة الثروات القائمة وتوزيعها، وهو ذات المصير الذي يخشون أن يفرضه أباطرة التكنولوجيا عبر الذكاء الاصطناعي قريباً.
تمويل الإنفاق من جيوب المليارديرات حصرًا: بعد أن كان اليسار التقليدي يطالب برفع الضرائب على الجميع لتمويل الدولة، يطالب اشتراكيو الجيل الحالي بمنح ومساعدات حكومية مباشرة تُمول بالكامل من ثروات المليارديرات.
العداء المطلق للمشروعات الخاصة: يظهر هؤلاء عداداً واضحاً لآليات السوق الحرة، ويرفضون ترك السوق ينمو ثم إعادة توزيع عوائده، ويفضلون بدلاً من ذلك إخضاع قطاعات الحياة اليومية الأساسية، من الإسكان إلى السلع الغذائية، لإملاءات وقرارات الدولة المباشرة.
الخطر الحقيقي: تغلغل الفكر الراديكالي في وعاء “وسط اليسار”
يكمن القلق الحقيقي من اشتراكية “الجيل زد” في مدى تغلغل ونزيف هذه الأفكار إلى أحزاب وسط اليسار التقليدية؛ ففي محاولة يائسة للمنافسة على أصوات الشباب، يقترح الديمقراطيون في أمريكا اليوم خططاً وصفتها المجلة بـ “الجنونية”، مثل إعفاء أكثر من نصف دافعي الضرائب من ضريبة الدخل الفيدرالية. وفي بريطانيا، يشعر حزب العمال الحاكم، رغم صعوده إلى السلطة عبر منصة وسطية، بالرعب من تنامي شعبية حزب الخضر، مما دفعه إلى إحياء حماسه لفرض ضرائب أعلى وتوسيع سيطرة الدولة. وباتت أفكار اشتراكيي الجيل الجديد قادرة على الانتصار واختراق السياسات العامة حتى عندما يخسر مرشحوهم في صناديق الاقتراع.
وحذرت المجلة من الكوارث الاقتصادية الحتمية لهذه السياسات؛ ففرض قيود على إيجارات العقارات سيفاقم نقص المساكن من خلال سحق حوافز البناء لدى المستثمرين. كما أن الهجوم على أرباح سلاسل السوبرماركت الكبرى يتجاهل حقيقة أن هوامش ربحها ضئيلة للغاية بالفعل بسبب المنافسة الشرسة، وهو ما يعد إحدى معجزات الرأسمالية الحديثة. أما ضرائب الثروة المفرطة فستتحول إلى أداة لمصادرة الأموال وتدمير حوافز الابتكار والتطوير.
خريطة طريق الليبرالية
دعت المجلة الليبراليين وأنصار السوق الحرة إلى التوقف عن الاعتذار وبدء هجوم مضاد؛ فالرأسمالية والمشروعات الخاصة تظل الجذور الأساسية للازدهار البشري، ونعيش اليوم في أفضل حقبة من التاريخ البشري بالنظر إلى مستويات الدخل الحقيقي القياسية، وارتفاع متوسط الأعمار، وانخفاض معدلات الفقر المدقع.
ويجب على الحكومات الوسطية حل المشكلات الحقيقية التي تغذي السخط الشعبي عبر تبني “ليبرالية الوفرة” (Abundance Liberals)، والتي تقوم على:
بناء مساكن وبنية تحتية رخيصة ووفيرة عبر تحرير الأسواق من القيود البيروقراطية.
التوقف عن تحميل الشباب أعباء تمويل معاشات تقاعدية ضخمة ومبالغ فيها لكبار السن.
إصلاح النظام الضريبي لضمان تفوق “الجدارة والكفاءة” على “الإرث العائلي” عبر توسيع ضرائب الميراث والملكيات العقارية الكبيرة.
تقديم حلول مبتكرة وإيجابية لمواجهة اضطرابات سوق العمل الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، بدلاً من دعوات اليسار لتجميد مراكز البيانات؛ وذلك عبر مزيج ذكي من الضرائب، وتوزيع ملكية رأس المال، ودعم العمال لضمان تقاسم عوائد الطفرة التكنولوجية بشكل عادل.
وخلصت مجلة “إيكونوميست” في ختام تقريرها إلى دحض فرضية أن الليبرالية الرأسمالية محكوم عليها بالفشل السياسي؛ مؤكدة أن الدفاع القوي والذكي عن أفكار السوق الحرة لم يُجرّب بعد في عصر وسائل التواصل الاجتماعي بالشكل الكافي. وشددت على أن الأزمات الكبرى التي تحرك “اشتراكية الجيل زد” -مثل الارتفاع الفاحش في إيجارات المنازل- هي نتاج أسواق مكبلة ومقيدة بالتدخلات الحكومية وليست أسواقاً حرة بشكل مفرط، ومؤكدة أنه لا يزال هناك متسع من الوقت لكي تثبت الليبرالية جدارتها وتحسم النقاش لصالحها مجدداً.


