
أعلنت الحكومة الألبانية رسمياً عن تعليق المشروع العقاري الاستثماري الضخم والمثير للجدل الذي يقوده جاريد كوشنر، صهر رئيس الولايات المتحدة، وزوجته إيفانكا ترامب، لتطوير منتجع سياحي فاخر على جزيرة ألبانية استراتيجية. وجاء هذا القرار المفاجئ بعد تحذيرات شديدة اللهجة وجهها الاتحاد الأوروبي، أكد فيها أن الاستمرار في هذا المشروع الملياري قد ينسف بشكل نهائي مساعي ألبانيا وفرصها التاريخية للانضمام إلى التكتل الأوروبي. وأبلغ وزير البيئة الألباني، سوفيان جوباي، المفوضية الأوروبية في بروكسل أن عمليات الإنشاءات والتطوير في موقع المشروع قد جُمدت بالكامل، إلى حين إجراء تقييم شامل ومعمق للأثر البيئي، مؤكداً أن الوزارة لم تصدر حتى الآن تصاريح البناء النهائية للمشروع.
اندلعت مظاهرات شعبية حاشدة اجتاحت شوارع العاصمة تيرانا على مدار أسبوع كامل، حيث رفض آلاف المتظاهرين العودة إلى منازلهم حتى الإلغاء الكامل والنهائي للمشروع البالغة قيمته 4.7 مليار دولار، في انتفاضة شعبية باتت تُعرف باسم “ثورة الفلامينغو” (The Flamingo Revolution) تيمناً بالطائر الذي يهدد المشروع مراكز تكاثره الطبيعية على سواحل البلاد. وتلقت التعبئة الشعبية دعماً سياسياً حاسماً من بروكسل؛ حيث حذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن المشروع يتعارض بشكل صارخ مع معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وأوضح المتحدث باسم المفوضية أن المشروع يضع ألبانيا في مسار تصادم مباشر مع القوانين البيئية الأوروبية، مما يهدد عجزها عن إغلاق “الفصل 27 الأخضر” المتعلق بالبيئة وتغير المناخ، مطالباً السلطات الألبانية بضرورة إلغاء التعديلات على قانون المناطق المحمية وإنهاء العمل بقانون الاستثمارات الاستراتيجية فوراً.
كشفت إيفانكا ترامب في وقت سابق أن فكرة الاستثمار في هذه المنطقة ولدت بعد أن سارت مع زوجها كوشنر “حافيي القدمين” إلى قمة الجزيرة خلال رحلة بحرية في المنطقة، قبل أن يعلن كوشنر عام 2024 أن شركته للاستثمار الخاص (Affinity Partners) تعتزم بناء منتجع فاخر على جزيرة “سازان” وسلسلة سواحل “زفيرنيك” قرب فلورا بطاقة استيعابية تصل إلى 10 آلاف غرفة فندقية. وأعادت هذه الأزمة إلى الأذهان مصير مشروع مماثل لبناء “برج ترامب” (Trump Tower) في صربيا المجاورة، والذي أُلغي رسمياً في ديسمبر الماضي جراء احتجاجات شعبية عارمة شابهت تلك التي تشهدها تيرانا اليوم. وتحولت الأزمة الراهنة إلى تهديد سياسي وجودي لرئيس الوزراء الألباني إيدي راما، وسط مخاوف حقيقية من تحول “ثورة الفلامينغو” من قضية بيئية مفردة إلى احتجاج سياسي عام يطالب بإسقاط النظام على غرار احتجاجات “يوروميدان” التي أطاحت بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش.
التنازل عن السيادة وخطر الانهيار السياسي
صدم رئيس الوزراء الألباني، إيدي راما، الشارع بمواقف متصلبة دافع فيها بشدة عن المشروع باعتباره ركيزة لإنقاذ قطاع السياحة الذي يمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وذهب إلى حد الإعلان بأن ملكية جزيرة “سازان” قد نُقلت بالفعل إلى كوشنر وأنها “لم تعد جزءاً من الأراضي الألبانية”، مؤكداً مضيه في الاستثمار ورفضه التراجع أمام من وصفهم بـ “أصحاب المواقف المناهضة للتنمية”. ويقود راما، الذي يشغل منصبه منذ سبتمبر 2013 وتجاوزت مدة حكمه 12 عاماً وتسعة أشهر ليصبح أحد أطول رؤساء الحكومات بقاءً في السلطة في أوروبا، البلاد بأغلبية مريحة بعد فوز حزبه الاشتراكي بنسبة 53% (83 مقعداً من أصل 140) في انتخابات مايو 2025. ورغم نفوذه الطويل وهدفه المعلن بإدخال ألبانيا للاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، يجد راما نفسه اليوم أمام مأزق سياسي حرج قد يعصف بطموحاته السياسية ويفجر الشارع ضده.
البيع لإسرائيل
دخلت الهيئات القضائية المستقلة على خط الأزمة السياسية؛ حيث أعلن المدعي العام لمكافحة الفساد في ألبانيا فتح تحقيق موسع حول ملكية والوضع القانوني للأراضي المخصصة للمشروع، وقام فعلياً بالحجز ومصادرة أصول تعود لأشخاص مرتبطة بالمشروع عبر “الهيكل الخاص لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة” (SPAK)، وهو الجهاز الذي أُسس بضغط أوروبي وأسهم في تعزيز مؤسسات النزاهة في البلاد منذ عام 2013. وتزامنت هذه التحقيقات القضائية مع موجة شائعات وتكهنات اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، زعم مروجوها أن الأراضي بيعت لصالح إسرائيل، مستشهدين بالخلفية اليهودية لجاريد كوشنر كدليل على أجندة سياسية خفية، وهي الادعاءات التي أكدت التقارير غياب أي أدلة ملموسة تدعم صحتها. ويأتي هذا التوتر الدبلوماسي والقضائي ليهدد موقع ألبانيا التي تُصنف، إلى جانب الجبل الأسود، كأبرز الدول المرشحة لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي في المرحلة المقبلة.


