في الثالث من يناير 2026،
أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية داخل فنزويلا، وصرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته قد “نُقلا” خارج البلاد، بينما أعلن وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز “مقاومة وجود قوات أجنبية” ورفض الاستسلام ترافق ذلك مع خطاب مهم للرئيس الأمريكي تتضمن بعدًا جيوسياسيًا واضحًا، مكررا استدعاء مصطلح ما يعرف بعقيدة مونرو ومشيرا بجانب الترتيبات التي تخص قطاع النفط المهم في فنزويلا إلي النفوذ الروسي والصيني والإيراني،
استراتيجيًا، يمكن قراءة الحدث بوصفه إحياءً عمليًا لمفهوم “منع القوى الخارجية من التمركز في نصف الكرة الغربي” الذي يعود تاريخيًا إلى عقيدة مونرو (1823)، ولكن بمنطق أكثر هجومية واشتراطًا للسيادة، على نحو يُذكّر بتحولات العقيدة في نهاية القرن التاسع عشر (أزمة فنزويلا الحدودية 1895) وبـ “تعديل روزفلت” 1904 الذي صاغ دور “شرطي الإقليم
فما هي عقيدة مونرو وما هي أهم التحولات التي مرت بها حتى وصلت لخطاب السيد ترامب؟
قبل أكثر من مئتي عام، لم تكن الولايات المتحدة القوة العظمى التي نعرفها اليوم. بل دولة فتية، خارجة لتوّها من رحم الاستعمار البريطاني، محاطة بإمبراطوريات أوروبية لا تزال تنظر إلى العالم بوصفه خريطة مفتوحة للسيطرة و توسيع النفوذ .
، كان جيمس مونرو (James Monroe) –الرئيس الخامس للولايات المتحدة (1817-1825) وآخر الرؤساء الأمريكيين من جيل الآباء المؤسسين. الرجل الهادئ، والمحارب السابق في حرب الاستقلال، يتخوف من أوروبا التي بدأت تستعيد أنفاسها بعد حروب نابليون. ملوك عادوا إلى عروشهم، وتحالفات تُنسَج في الخفاء، وخوف أمريكي حقيقي من أن تعود إسبانيا أو غيرها لاستعادة مستعمراتها في أمريكا اللاتينية… وربما التفكير يومًا في أمريكا نفسها.
في ديسمبر 1823، وقف مونرو أمام الكونغرس، وقال جملة بدت بسيطة لكنها كانت جريئة جدًا في زمنها:
.
هذا النصف من العالم لم يعد مفتوحًا للاستعمار .
و أن “أي محاولة من القوى الأوروبية للتدخل في شؤون نصف الكرة الغربي ستعتبر عملاً عدائياً ضد الولايات المتحدة”.
لتتشكل ما يعرف الآن بعقيدة مونرو و التي تتكون من ثلاث مفاهيم هي :
- فصل مجالي النفوذ: أوروبا لها شأنها، والأميركتان لهما شأنهما.
- عدم الاستعمار (Non-colonization): لا مستعمرات جديدة في الأميركتين.
- عدم التدخل (Non-intervention): أمريكا لا تتدخل في حروب أوروبا، وأوروبا لا تتدخل هنا.
مونرو لم يملك جيشًا قادرًا على فرض كلمته، ولا أسطولًا ينافس بريطانيا. لكنه أدرك أن رسم خط أحمر مبكر قد يكون السلاح الوحيد لدولة صغيرة تحاول أن تكبر دون أن تُسحق.
هكذا وُلدت عقيدة مونرو: صفقة خوف… لا مشروع سيطرة.
ما لم يتخيله مونرو، وهو يضع قلمه على ورقة خطابه، أن فكرته الدفاعية ستتحول بعد عقود إلى ترخيص مفتوح للتدخل.
بعد عقود من الجمود، و بعد تنامي قوة الولايات المتحدة قررت واشنطن في عام 1895 تحويل العقيدة من حبر على ورق إلى أمر واقع. حدث ذلك في عهد الرئيس غروفر كليفلاند، حين استغلت واشنطن نزاعاً حدودياً بين فنزويلا وبريطانيا لتفرض نفسها كطرف في المعادلة. في تلك اللحظة، لم تكتفِ الإدارة الأمريكية بالدبلوماسية، بل وجهت إنذاراً شديد اللهجة لبريطانيا العظمى، معلنة أن “قانون أمريكا هو القانون السائد في هذا النصف من العالم“.
ثم جاء التحول الأكبر عام 1904 فبعد ما بدأه كليفلاند كحالة خاصة، حوله الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت (Theodore Roosevelt) – – الرئيس السادس والعشرون (1901-1909)، إلى قاعدة ثابتة.
تبني روزفلت الحاكم القوي سياسه خارجية هجومية ساعده في ذلك صعود الولايات المتحدة كقوة عالمية بعد الحرب الإسبانية–الأمريكية.
في عام (1902) حدث ما عرف بأزمة ديون فنزويلا ، حين حاصرت السفن الأوروبية الموانئ الفنزويلية لإجبارها على السداد ، أدرك روزفلت أن منع أوروبا لا يكفي، بل يجب أخذ مكانها. أصدر روزفلت ما عرف بـ “تعديل روزفلت”، على العقيدة. وبموجبه، منحت نفسها حق التدخل المباشر في شؤون دول أمريكا اللاتينية بذريعة منع الأزمات المالية والفوضى التي قد تستدعي تدخلاً أوروبيًا.
شكّل هذا التعديل الأساس التاريخي لفكرة “التدخل لضبط الفوضى” في نصف الكرة الغربي، ومهّد لتحوّل الولايات المتحدة إلى ما يشبه الشرطي الإقليمي في القارة.
هنا ولدت الإمبريالية الأمريكية رسمياً؛ حيث تحول “الجار الحامي” إلى “الشرطي الذي يملك مفاتيح بيتك”.
نأتي الآن إلى ما قام به ترامب في يناير 2026 وهو الرجل المولع بتحقيق أي انجاز صاخب ليقدم للعالم تاريخيا ما سيعرف تاريخيا ب”تعديل ترامب” عبر تقديم النسخة الأكثر صراحة من هذه العقيدة منذ الحرب الباردة. لم يعد الأمر مغلفًا بالدبلوماسية، ولا مشروطًا بقرارات دولية، ولا حتى متخفيًا خلف وسطاء.
الرسالة كانت واضحة:
- لا مكان لنفوذ صيني أو روسي في أمريكا اللاتينية.
- السيادة مسموحة… ما دامت لا تتعارض مع ما تراه الولايات المتحدة أمن قومي.
- تغيير الأنظمة لم يعد خيارًا أخيرًا.
هذه ليست عودة إلى مونرو فقط، بل تطوير هجومي لها،

والسؤال الذي يطرح الان لماذا اختار السيد الأمريكي فنزويلا بالتحديد ليعلن فيها عن عقيدته في هذا التوقيت؟
والإجابة لا تكمن في مادورو وحده. ولا أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وكانت خلال العقدين الماضيين نقطة ارتكاز لمحور مناهض لواشنطن في القارة. علاقات عسكرية مع روسيا، استثمارات صينية، وتنسيق سياسي مع إيران.
بالنسبة لواشنطن، لم تعد فنزويلا دولة متمردة فحسب، بل نقطة اختراق استراتيجي في مجال تعتبره الولايات المتحدة تاريخيًا مجالها الحيوي.
أما بالنسبة لشخصية الرئيس الأمريكي التي تجمع بين رجل الاستعراض وطمع التاجر واحترامه لدرجة الخوف من الأقوياء وأيضا احتقاره الغير شريف للضعفاء واستغلاله لضعفهم بلا أي شهامة أو رحمة. باستصحاب كل الذي سبق تصبح فنزويلا ورئيسها مادورو هي الهدف والفريسة المثالية للذئب الأمريكي.
فمادورو وبغض النظر عن شخصه هو رجل قوي وسط نظام هش مملوء بالفساد في بلد أنهكه الحصار الاقتصادي ولا يتحمل الدخول في أي مواجهة فهو بكل بسيط عدو ضعيف يسهل تحقيق نصر استعراضي عليه في دور يتقنه دونالد ترامب كما نراه على الشاشات في حلبات مصارعة المحترفين الأمريكية.
ما جرى في كاراكاس ليس حدثًا معزولًا، بل لحظة كاشفة. كشفت أن عقيدة مونرو لم تمت، بل كانت تنتظر اللحظة المناسبة للعودة دون أقنعة.
من مونرو الذي رسم خطًا بالكلمات، إلى روزفلت الذي فرضه بالقوة، إلى ترامب الذي نفّذه بلا مواربة…
يتغير الأسلوب، لكن الفكرة واحدة: هذا نصفنا من العالم، ونحن من يضع القواعد فيه.
محمد نور
محمد نور إعلامي، مخرج وثائقي، ومستشار تحول رقمي ومنتج تطبيقات. يعمل في تطوير الحلول الرقمية والمشاريع التقنية في المنطقة العربية وأوروبا. قدّم وأخرج عددًا من الأفلام الوثائقية والبرامج الإعلامية، ويهتم بصناعة المحتوى الهادف والكتابة التأملية التي تمزج بين التجربة الإنسانية والرؤية الفلسفية. يجمع في مسيرته بين الفكر، والتقنية، والإبداع الإعلامي.