واشنطن – أظهرت بيانات اقتصادية أمريكية رسمية جديدة صدرت يوم الجمعة الماضي صورة قاتمة لتداعيات الحرب مع إيران على الاقتصاد الأمريكي، مما يبرز بشكل واضح تراجع الرئيس دونالد ترامب في موقفه التفاوضي أمام طهران.
سجل مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ارتفاعاً شهرياً بنسبة 0.9% في مارس 2026 – وهو أعلى قفزة شهرية منذ نحو أربع سنوات – ليصل التضخم السنوي إلى 3.3%، وهو أعلى معدل منذ تولي ترامب الرئاسة. وكان السبب الرئيسي في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 21.2% خلال الشهر نفسه، وهو رقم قياسي، مدفوعاً باستمرار الاضطرابات في مضيق هرمز رغم الوقف المؤقت للعمليات العسكرية.
ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى أكثر من 4 دولارات للغالون، فيما بقيت أسعار النفط الخام (برنت) مرتفعة عند مستويات تتراوح بين 96 و110 دولارات للبرميل، أي أعلى بكثير من المستويات السابقة للحرب. كما سجل مؤشر ثقة المستهلكين من جامعة ميشيغان أدنى مستوى له منذ بدء التسجيل عام 1952.
وتقدر تكلفة الحرب حتى نهاية مارس بنحو 25 مليار دولار، مع تكاليف يومية تصل إلى 500 مليون دولار، وفق تقديرات مراكز بحثية أمريكية. وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الرهون العقارية وتعطيل سلاسل التوريد، مما يهدد بإبطاء النمو الاقتصادي ويرفع احتمال حدوث ركود.
في المقابل، أظهرت التقارير الاستخباراتية أن الاقتصاد الإيراني نجح في امتصاص الصدمة بشكل أفضل مما كان متوقعاً، مستفيداً من احتياطياته الاستراتيجية وسيطرته الفعلية على حركة الملاحة في مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. ويُعتبر هذا “ورقة رابحة” اقتصادية عالمية تمنح طهران ميزة تفاوضية واضحة.
وكان الجنرال الأمريكي المتقاعد ويسلي كلارك قد حذر في مقالات سابقة من أن إيران تدخل المفاوضات وهي في موقع أقوى بفضل استعدادها الطويل الأمد للحرب غير المتكافئة، وهو ما تؤكده هذه البيانات الاقتصادية الجديدة اليوم.
الأرقام الاقتصادية الأخيرة ليست مجرد إحصاءات فنية؛ إنها تعكس بوضوح كيف تحولت الحرب – التي وصفها ترامب بأنها “قصيرة وناجحة” – إلى عبء ثقيل على الاقتصاد الأمريكي، بينما تكتسب إيران نفوذاً تفاوضياً متزايداً.
ومع اقتراب مهلة الهدنة المؤقتة، يبدو أن ترامب يواجه خياراً صعباً: إما تقديم تنازلات أكبر لإنهاء الأزمة، أو المخاطرة بمزيد من الضرر الاقتصادي الذي قد يهدد شعبيته داخلياً.
