تتسارع خطى جمهورية كازاخستان لإعادة تموضعها الاستراتيجي في منطقة آسيا الوسطى، مستغلة المقاربة النفعية “الصفقاتية” لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف خلق توازن قوى جديد يقلص من اعتمادها التاريخي على جارتيها العظمتين، روسيا والصين، دون الدخول في مواجهة مباشرة معهما.
كشف تقرير سياسي مطول نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) أن العاصمة أستانا باتت تطبق بشكل عملي عقيدة الرئيس قاسم جومارت توكايف القائمة على السياسة الخارجية “متعددة المتجهات”؛ حيث يظهر أفق المدينة العمراني تمازجاً فريداً بين الاستثمارات الروسية والصينية والخليجية والأمريكية، في محاكاة لافتة لنموذج التطوير المعتمد في دول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر عبر صندوقها السيادي “سامروك كازينا”.
الممر الأوسط والمعادن الحيوية: جوهر الرهان الأمريكي
أحدث التغير في أولويات البيت الأبيض دفعة قوية للعلاقات الثنائية؛ حيث تخلى الرئيس ترامب عن الخطاب الأمريكي التقليدي بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان —مفككاً برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في كازاخستان— ومستعيناً بمقاربة “مركانتيلية” (تجارية بحتة) تقيس متانة العلاقات بحجم الصفقات المبرمة. وتتمحور المصالح الأمريكية الراهنة حول نقطتين أساسيتين:
تأمين المعادن الحيوية: ضمان تدفق الإمدادات الضخمة من المعادن النادرة التي تمتلكها كازاخستان لخدمة الصناعات التكنولوجية الأمريكية.
إنعاش “الممر الأوسط”: دعم مسار الشحن الدولي البديل الذي يعبر بحر قزوين ومنطقة القوقاز وصولاً إلى أوروبا، بهدف التخلي تماماً عن شبكات النقل البرية المارة عبر الأراضي الروسية.
29 اتفاقية بـ 17 مليار دولار وسحابة عائلية تحوم في الأفق
ترجمت أستانا تقاربها الجديد مع واشنطن عبر توقيع وفد رفيع المستوى قاده توكايف على 29 اتفاقية استراتيجية مع كبرى الشركات الأمريكية تجاوزت قيمتها 17 مليار دولار؛ شملت شراء عربات قطارات من شركة “وابتيك” بقيمة 4.2 مليار دولار، وتأسيس مركز بيانات للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع عملاق الرقائق الإلكترونية “إنفيديا”، فضلاً عن إبرام صفقة لتعدين معدن “التنغستن” حظيت بدعم وتأثير مباشر من أبناء الرئيس ترامب.
تقارب محفوف بالمخاطر وتأرجح الرياح السياسية
أثارت الاندفاعة الكازاخستانية نحو البيت الأبيض، والتي بلغت حد وصف توكايف للرئيس ترامب بأنه “مبعوث من السماء” وانضمامه إلى “مجلس السلام” وتوقيعه على “اتفاقيات أبراهام”، مخاوف جدية لدى مراقبي الشؤون الدولية من مغبة تبدل الرياح السياسية في واشنطن؛ إذ بدأت المعارضة الديمقراطية في الكونغرس الأمريكي، على لسان السيناتور جون أوسوف، بالتوعد بفتح تحقيقات موسعة واستدعاءات تحت القسم لبحث مدى قانونية تداخل عائلة ترامب في صفقات التعدين الكازاخستانية في حال تغيرت الخريطة النيابية، مما قد يضع البراغماتية الكازاخستانية في فخ التجاذبات الحزبية الأمريكية الداخلية.


