بددت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أوهام الأمان المطلق التي عاشتها دول الخليج العربي لعقود طويلة؛ حيث تحولت عواصمها الاقتصادية الكبرى ومراكزها الحضرية فجأة إلى مسارح لمواجهات عسكرية وحالات طوارئ غير مسبوقة، مما دفع الأنظمة الحاكمة إلى إعادة نظر جذرية في استراتيجياتها الدفاعية والاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية.
كشف تقرير مطول نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) لمراسلتها في الرياض، فيفيان نيريم، أن القصف الصاروخي وبطائرات الدرون الإيرانية الذي استهدف المنطقة خلال الأشهر الماضية أثبت أن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة على أراضي دول الخليج تحولت —بدلاً من كونها دروعاً حامية— إلى أهداف مباشرة للهجمات، مما أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصاً وإصابة العشرات، فضلاً عن الأضرار المادية الجسيمة والإنذارات الصاروخية التي هزت طمأنينة سكان مدن مثل دبي والدوحة وأدت لإغلاق المدارس لأسابيع وفرار بعض المغتربين الأثرياء.
أحدثت الحرب شروخاً واضحة في المواقف الدبلوماسية بين دول مجلس التعاون الخليجي بدلاً من توحيدها؛ حيث تبنت كل حكومة مساراً منفرداً للتعامل مع التهديد الإيراني وفقاً لمصالحها:
دولة الإمارات العربية المتحدة: ضاعفت من تحالفاتها الاستراتيجية والأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتعزيز قدراتها الدفاعية.
دولة قطر: ركزت ثقلها الدبلوماسي لتدير دور الوسيط الرئيسي في مساعي إبرام اتفاق تهدئة بين واشنطن وطهران.
المملكة العربية السعودية: فضلت إبقاء خياراتها مفتوحة، محاولةً توجيه قرارات إدارة ترامب مع الحفاظ على قنوات اتصال دبلوماسية مباشرة مع المسؤولين الإيرانيين.
سلطنة عمان: أثارت غضب الرئيس ترامب من خلال الدخول في محادثات مستقلة مع طهران لبحث إمكانية فرض رسوم خدمات في مضيق هرمز.
استراتيجية “صفر اعتماد على مضيق هرمز”
سرّع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قِبل إيران خلال أشهر الصراع من وتيرة الخطط الخليجية الساعية لإنهاء التبعية المطلقة لهذا الممر المائي الحيوي؛ إذ أعلنت الحكومة الإماراتية عن خطة طموحة لتحقيق “صفر اعتماد على هرمز” عبر توسيع موانئها الواقعة خارج المضيق ومد خطوط أنابيب نفط وسكك حديدية جديدة، فيما تحولت سلطنة عمان —بفضل موانئها المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي— إلى مركز لوجستي وبوابة برية بديلة لتدفق السلع والنفط والغاز لجاراتها عبر الشاحنات البرية.
كواليس الإحباط من الاتفاق الأمريكي-الإيراني
أثارت التفاهمات الأولية المتبلورة بين واشنطن وطهران مخاوف عميقة وكواليس من الإحباط لدى القادة الخليجيين، على الرغم من الترحيب العلني بوقف الأعمال العدائية؛ حيث صاغت واشنطن اتفاقاً أغفل المطالب الخليجية المتعلقة بعبثية الترسانة الصاروخية الإيرانية ودعمها للميليشيات الإقليمية. وترافق ذلك مع قيام إدارة ترامب برفع مؤقت للعقوبات النفطية عن طهران، وهو ما انتقدته النخب الخليجية بشدة؛ إذ كتب المحلل السعودي عبد الرحمن الراشد في صحيفة “الشرق الأوسط” موضحاً أن هذا الاتفاق “يعيد تأهيل نظام طهران كقوة إقليمية، وأن العوائد المالية الممنوحة له ستجعل من إيران وحشاً أكبر مما كانت عليه من قبل”.
تحركات أمريكية لطمأنة الحلفاء وتراجع الردع
سعى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في جولة دبلوماسية شملت الإمارات والكويت والبحرين، إلى طمأنة الحلفاء بالتأكيد على أن بلاده لن تتخذ أي خطوة تقوض أمنهم، مشيراً إلى إشراكهم في مراحل التفاوض المقبلة. واستبعد روبيو خلال لقاءاته المقترحات الأمريكية السابقة التي أثارت استياءً واسعاً بشأن مساهمة الخليج في صندوق إعادة إعمار إيران البالغ 300 مليار دولار، حيث اعتبرها محللون مؤشراً على تعامل واشنطن مع المنطقة كـ “صراف آلي”. وفي المقابل، أكد باحثون ومسؤولون خليجيون، من بينهم وزير خارجية البحرين عبد اللطيف الزياني، أن المنطقة تتطلع للأمل لكنها باتت تشعر بتراجع قوة الردع الأمريكية والإسرائيلية ضد طهران، مما يفرض على دول الخليج الاعتماد على تقوية قدراتها العسكرية الذاتية، أو التوجه نحو صياغة معاهدات عدم اعتداء مباشرة ومستقلة مع جارتهم الإيرانية لحماية مستقبلها.


