تشهد أستراليا في الآونة الأخيرة ملامح ثورة اقتصادية وإنشائية عارمة مدفوعة بالاستثمار في البنية التحتية للتكنولوجيا الحديثة. ووفقاً لتقرير اقتصادي موسع نشره المحلل شين رايت، كبير المراسلين الاقتصاديين، في The Sydney Morning Herald، فإن البلاد تعيش حالياً طفرة في الإنفاق على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تعيد إلى الأذهان الطفرة التاريخية لقطاع التعدين في أوائل العقد الماضي، بل وتتجاوزها من حيث معدلات النمو الإنشائي.
وأشار رايت في تحليله إلى البيانات الصادرة عن المكتب الأسترالي للإحصاء، والتي كشفت عن إنفاق الشركات الأسترالية لمبلغ قياسي بلغ 6 مليارات دولار على المعدات المرتبطة بالبيانات والذكاء الاصطناعي في الربع الأول من العام الجاري. ومع احتساب تكلفة المباني والمنشآت الضخمة المخصصة لاحتضان هذه التقنيات، قفز الإنفاق بنسبة هائلة بلغت 84% ليصل إلى 21.8 مليار دولار على مدار العام الماضي، وسط توقعات من خبراء بنك “ويستباك” بأن تقود البلاد مشروعات مستقبلية وتدفقات استثمارية في هذا المجال تقدر بنحو 350 مليار دولار خلال السنوات القادمة.
وعود الإنتاجية مقابل شبح البطالة الجماهيرية
ولفت كاتب التقرير شين رايت إلى المفارقة الحادة التي تفرضها هذه التكنولوجيا؛ ففي الوقت الذي تبشر فيه الأوساط التقنية بطفرات علمية واقتصادية هائلة -كان آخرها نجاح الذكاء الاصطناعي في حل معضلة “مسألة مسافة الوحدة المستوية” الرياضية التي استعصت على البشر لثمانية عقود- تتصاعد في المقابل تحذيرات سياسية واجتماعية من الآثار الجانبية لهذه الطفرة.
واستشهد رايت في متن تقريره بالتصريحات الأخيرة لوزير الخزانة الأسترالي الأسبق، جو هوكي، الذي عبر عن مخاوفه من أن يتسبب التوسع في الاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي والسيارات ذاتية القيادة في قفزة مرعبة لمعدلات البطالة في أستراليا لتصل إلى 15% بحلول عام 2031، مما يعني انضمام نحو 2.3 مليون مواطن أسترالي إلى صفوف العاطلين عن العمل، وهو ما قد يفجر اضطرابات في الشوارع تعجز الميزانيات الحكومية التقليدية عن احتوائها.
معركة المقايضات: من الرسائل البابوية إلى التصدع السياسي
وسلط التقرير الضوء على الأبعاد الروحية والسياسية للأزمة، مستعرضاً الموقف الصارم الذي اتخذه البابا ليون الرابع عشر؛ حيث أصدر رسالة حبرية مطولة تجاوزت 42 ألف كلمة، حذر فيها من أن البشرية تقف أمام خيار مفصلي بين مستقبل إنساني عادل أو الانزلاق نحو “برج بابل” تقود فيه التكنولوجيا إلى وجود مشوه ومجرد من الإنسانية.
وخلص شين رايت في ختام أطروحته إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه علم الاقتصاد اليوم يكمن في إدارة “المقايضات” الناتجة عن الذكاء الاصطناعي؛ فخلافاً للثورات التكنولوجية السابقة (كالمحرك البخاري أو الإنترنت) التي أسهمت في نهاية المطاف في خلق وظائف أفضل، فإن التقنية الحالية تهدد بسحق وظائف شريحة واسعة تمتد من المحامين إلى الفنانين، والأسوأ من ذلك أنها تندمج في عالم يعاني أصلاً من استقطاب سياسي حاد وتصاعد للتيارات الراديكالية بين الشباب الذين فقدوا الثقة في الآليات الديمقراطية، مما يجعل الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي بمثابة قفزة كبرى نحو نفق اقتصادي واجتماعي مظلم ومجهول المعالم.


