في العقدين الماضيين، ارتبط مصطلح “الراديكالية” عادةً بالشباب الذين ينزلقون إلى التطرف عبر الإنترنت. لكن الكاتب البريطاني سيمون كوبر في مقاله بمجلة FT Weekend Magazine يطرح فكرة مختلفة: أن قادة العالم أنفسهم يمكن أن يخضعوا لعملية تطرف مشابهة، تتحول فيها السلطة إلى إيمان شخصي بالعنف أو الخلاص.
يستعرض كوبر تطور فلاديمير بوتين من سياسي واقعي إلى زعيم مؤمن بمهمة شبه دينية. ففي مقاله الطويل “عن الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين”، يصف بوتين الشعبين بأنهما “واحد”، ويستند إلى رموز دينية مثل فكرة “روما الثالثة”. خلال غزو أوكرانيا عام 2022، اقتبس قول المسيح: “ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه عن أحبائه”، بينما أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لاحقًا أن بوتين يقود “حربًا مقدسة”.
يشير كوبر إلى أن إيلون ماسك “راديكَالي على منصته”، إذ ارتفع معدل منشوراته اليومية من تسع عام 2019 إلى أكثر من ستين عام 2024، لينغمس في غرفة صدى رقمية متطرفة. نشر تحذيرات من “عنف ضد البيض” وشارك برسالة مصوّرة في تجمع يميني متطرف في بريطانيا قائلاً: “العنف قادم إليكم، إما أن تقاتلوا أو تموتوا”. بهذا، أصبح ماسك نموذجًا جديدًا لقائد يُنتج التطرف عبر أدواته الرقمية.
أما دونالد ترامب، فقد انتقل من رفض التدخل العسكري إلى استخدامه كوسيلة للانتقام السياسي. أرسل الحرس الوطني إلى مدن أمريكية، وهاجم فنزويلا وإيران، وهدد غرينلاند. نشر صورة له في هيئة المقدم بيل كيلغور من فيلم Apocalypse Now أمام شيكاغو المشتعلة، مع العبارة: “أحب رائحة الترحيلات في الصباح”. كما استخدم رموزًا دينية في دعايته، منها صور له في هيئة المسيح أو البابا، مما جعل أتباعه يرونه شبه مقدس.
يؤكد كوبر أن نظريات العلاقات الدولية التقليدية، التي تفترض أن الدول تتصرف وفق مصالحها، لم تعد كافية في عالم تُدار فيه السياسة الخارجية بعقلية فرد واحد. فقرارات هؤلاء القادة لا تُبنى على حسابات مؤسساتية، بل على قناعات شخصية تتغذى من غرف الصدى الرقمية والدينية.
في عالم اليوم، لم تعد الراديكالية حكرًا على الجماعات الهامشية، بل أصبحت ظاهرة يمكن أن تبدأ من القمة.
يدعو كوبر أجهزة الاستخبارات وصناع القرار إلى إعادة تعلم علم نفس التطرف الفردي، لأن مصير دول بأكملها قد يتوقف على عقل واحد متطرف.


