في تحليل معمّق نشرته مجلة “فورين أفيرز”، يخلص الباحث مارك لينش إلى أن النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ عام 1991 وصل إلى نهايته، معتبراً أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة مع إيران، مقترنة بحرب إسرائيل على غزة، شكّلتا معاً الضربة القاضية لهذا النظام الذي دام أكثر من ثلاثة عقود ونصف.
فشل عسكري يقوّض “الصفقة الأمنية” الأساسية
يرى الكاتب أن إخفاق الولايات المتحدة وإسرائيل في إسقاط النظام الإيراني كشف عقم عقود من العقوبات وأعمال العنف الموجهة ضد طهران. فقد عجزت واشنطن عن حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية، وعن إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وهو ما قوّض بشكل قاتل الأساس الذي قامت عليه شبكة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. وفي الوقت ذاته، أدى الموقف الإسرائيلي المتزايد عدوانية وتخليها عن أي التزام ولو شكلي بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين إلى إنهاء مهمة واشنطن الممتدة منذ عقود لدمج حلفائها العرب وإسرائيل في شراكة أمنية دائمة.
ويوضح لينش أن حرب ترامب على إيران لم تكن انحرافاً عن الاستراتيجية الأمريكية التقليدية في المنطقة، بل امتداداً منطقياً لها، إذ سعت لإزالة التهديد الإيراني بضربة عسكرية واحدة حاسمة. ويشبّه الكاتب هذا النهج بما سبق أن فعلته واشنطن قبيل غزو العراق عام 2003، وما فعلته إسرائيل في حروبها ضد حزب الله وحماس، حيث بالغ صناع القرار في تقدير ما يمكن أن تحققه القوة العسكرية، وقلّلوا من قدرة الخصوم على التكيّف، وافترضوا أن الحلفاء سينصاعون لهم دون قيد أو شرط.
نظام تأسس بعد حرب الخليج… وانهيار تدريجي
يعيد المقال تتبع جذور هذا النظام إلى إدارة الرئيس جورج بوش الأب، التي أرست دعائم الهيمنة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي في حرب الخليج 1990-1991. حينها، جعلت واشنطن نفسها طرفاً لا غنى عنه عبر إقامة قواعد عسكرية وترتيبات أمنية لاحتواء العراق وإيران، ودعمت بقاء كل الأنظمة تقريباً في المنطقة.
ولإضفاء شرعية على دورها، أطلقت واشنطن مسار التسوية العربية-الإسرائيلية، فنشأ انقسام إقليمي بين كتلة موالية لأمريكا تضم إسرائيل وتركيا ومعظم الدول العربية، وكتلة أقل تماسكاً تضم إيران وسوريا في عهد الأسد وفصائل مثل حماس وحزب الله والحوثيين. ويشير الكاتب إلى أن هذا التقسيم ظل صامداً بشكل لافت رغم التحولات الكبرى التي شهدتها السياسة العالمية والإقليمية والأمريكية على مدى ثلاثة عقود.
ورغم أن هذا النظام وفر، بحسب الرواية الأمريكية الرسمية، قدراً من الاستقرار وحماية للمصالح الأمريكية كتدفق النفط وأمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب، يشدد لينش على أن الثمن الحقيقي دفعه سكان المنطقة أنفسهم؛ إذ شهدت العقود الثلاثة والنصف الماضية حروباً إسرائيلية متكررة، وانهياراً كاملاً لمسار التسوية الفلسطينية، وهجوم حماس في 7 أكتوبر، وما تلاه من تدمير إسرائيلي لغزة. أما العراق، فتعرض لعقد كامل من العقوبات القاسية والقصف المتقطع، قبل الغزو الكارثي عام 2003 واحتلاله، فيما تعرضت لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن لحروب مدمرة تحت مظلة الرعاية الأمريكية.
“شيك على بياض” أضرّ بمصالح واشنطن نفسها
من المفارقات، بحسب الكاتب، أن الضمانات الأمنية الأمريكية شجعت الحلفاء على تجاهل مصالح واشنطن ذاتها، إذ شعروا بالأمان من أي هجوم خارجي، فانطلقوا في مشاريعهم الأيديولوجية والسياسية الخاصة دون خوف من عواقب فعلية. ويسرد المقال كيف عارضت غالبية الحلفاء العرب الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وكيف قاد الحصار الذي فرضته الإمارات والسعودية على قطر عام 2017 إلى تقويض الجبهة الموحدة التي كانت إدارة ترامب الأولى تحتاجها لحملة “الضغط الأقصى” على إيران.
كما يتناول التقرير كيف دفعت انتفاضات 2010-2011 الحكومات العربية نحو تدخلات إقليمية أكثر عدوانية بعدما فقدت الثقة بقدرة واشنطن على حمايتها من التهديدات الداخلية، خاصة بعد رؤية سقوط الرئيس المصري حسني مبارك عام 2011، ما أدى إلى نتائج كارثية شملت انقلاباً عسكرياً في مصر وحروباً أهلية عدة.
إيران وإسرائيل: مسارا زعزعة استقرار متوازيان
يرصد المقال كيف استغلت إيران هذا النظام لبناء شبكة من الحلفاء غير الحكوميين المسلحين الذين ازدهروا وسط الفوضى الناتجة عن الحروب الأمريكية والإسرائيلية والسعودية، مستثمرة في تصنيع طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية رخيصة لمواجهة الأنظمة التقنية الأكثر تطوراً وتكلفة لدى خصومها، بعدما قُطعت عنها التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والأوروبية.
في المقابل، استفادت إسرائيل من ضمانات أمنية أمريكية لا تتزعزع، ما مكّن قادتها من إعطاء الأولوية للحفاظ على ائتلافاتهم الحاكمة على حساب معالجة جدية للقضية الفلسطينية أو تهدئة التوترات الإقليمية. وحين هزّت هجمات 7 أكتوبر ذلك الاطمئنان، اختارت إسرائيل التصعيد العسكري الشامل، فرسّخت احتلالها في غزة والضفة الغربية وأجزاء من لبنان وسوريا.
ضربتان متتاليتان: غزة ثم إيران
يعتبر لينش أن الأزمة المزدوجة المتمثلة في تدمير إسرائيل لغزة والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وجّهتا معاً ضربة قاضية لما تبقى من “الشرق الأوسط الأمريكي”. فالدعم الأمريكي لحملة غزة، لا سيما في عهد الرئيس جو بايدن، أطاح بما تبقى من أي شرعية أخلاقية كانت تدّعيها واشنطن، بينما بدّد إخفاق ترامب في إيران وهم القدرة العسكرية الأمريكية المطلقة. وكلا الحدثين كشفا للدول العربية ضعف نفوذها الحقيقي داخل هذا النظام الإقليمي، وتضاؤل جدوى الضمانات الأمنية الأمريكية.
ويشير التقرير إلى أن التنسيق الإماراتي مع إسرائيل والولايات المتحدة في ضرب أهداف إيرانية خلال الحرب، بحسب “وول ستريت جورنال”، أثار توتراً متصاعداً مع السعودية التي كانت تتابع بقلق التقارب الإماراتي-الإسرائيلي، في ظل خلافات قائمة بين الرياض وأبوظبي حول سوريا واليمن، ما عقّد قدرة واشنطن على حشد ثقل الدول الإقليمية الكبرى خلف حملتها ضد إيران.
كما يبرز المقال غضب قادة الخليج من إقدام واشنطن وإسرائيل على شن الحرب دون استشارتهم رغم علمهما بمعارضتهم لها، وفي منتصف مفاوضات كانت عمان ترعاها مع إيران، ما عرّضهم لانتقام إيراني مباشر ألحق أضراراً بجزء كبير من شبكة القواعد العسكرية الأمريكية في غضون أسابيع قليلة. وزاد غضبهم مع عجز واشنطن عن إسقاط النظام الإيراني رغم كل قوتها العسكرية، وعجزها عن منع إغلاق مضيق هرمز، بل بلغ الأمر ذروته حين قصفت الولايات المتحدة منشآت تخزين مياه إيرانية وضربت إسرائيل مستودعات نفطية إيرانية، في مقامرة وصفها الكاتب بأنها عرّضت مستقبل شركاء واشنطن لخطر تصعيد كان يمكن أن يقود إلى كارثة اقتصادية وبيئية في الخليج.
هل هي “لحظة السويس” الأمريكية؟
يناقش لينش تشبيهاً شائعاً بين حرب إيران و”أزمة السويس” عام 1956، التي تُعتبر بداية النهاية للنفوذين البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط. لكنه يوضح أن ذلك الانهيار استغرق سنوات طويلة ليكتمل؛ إذ واصلت فرنسا حربها في الجزائر ست سنوات أخرى، وبقيت بريطانيا القوة المهيمنة في الخليج لأكثر من عقد ونصف قبل انسحابها النهائي عام 1971. وبالمثل، يرى الكاتب أن الآثار الكاملة للفشل الأمريكي في إيران ستحتاج وقتاً لتتبلور، وأن النظام الإقليمي بقيادة واشنطن لن يختفي فوراً، وقد تسعى بعض دول الخليج حتى إلى تعزيز علاقاتها مع واشنطن خوفاً من المستقبل، كما فعلت السعودية حين حاولت إبرام اتفاق نووي طال انتظاره مع الولايات المتحدة، قبل أن يغيّر ترامب شروطه في اليوم التالي تاركاً الاتفاق معلقاً.
لكن الكاتب يحذر من الخلط بين هذا الاستمرار الظاهري قصير الأمد وبين استدامة حقيقية على المدى البعيد، مؤكداً أن النظام الأمريكي كان يتآكل منذ سنوات نتيجة تراكم الإخفاقات السياسية، وأن الأزمات الأخيرة كشفت هذا الضعف بشكل صريح لا لبس فيه.
ملامح مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية
يتوقع المقال أن تسعى كل من إسرائيل وإيران إلى إدامة حالة عدم الاستقرار كل لأسبابها الخاصة: فإسرائيل عازمة على مواصلة توسعها العسكري وضم أراضٍ من فلسطين التاريخية، بينما تستفيد إيران من استمرار الفوضى لتبرير نهجها في “المقاومة” أمام الداخل الإيراني وتوسيع نفوذها عبر وكلائها الإقليميين.
ويرى الكاتب أن التحالفات الإقليمية ستبتعد أكثر عن التصور الأمريكي لتحالف مناهض لإيران، إذ قد تلجأ دول خليجية إلى صفقات منفصلة مع طهران لتفادي استهدافها، فيما سيتصاعد التنافس بين الإمارات والسعودية على الزعامة الإقليمية بعيداً عن التنسيق مع واشنطن. كما يشير إلى ضغوط اقتصادية متصاعدة ستواجهها معظم الأنظمة، مستشهداً بمصر كمثال حيث تتفاقم الأزمات المالية بسبب ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتراجع عائدات قناة السويس جراء اضطراب الملاحة العالمية، محذراً من احتمال تجدد موجة احتجاجات شعبية أشبه بانتفاضات 2011.
دعوة لإعادة بناء السياسة الأمريكية
يختم لينش مقاله بدعوة الإدارة الأمريكية المقبلة إلى القطيعة مع سياسة العقود الماضية القائمة على التحالف مع أنظمة استبدادية باسم “البراغماتية”، والتخلي عن مبدأ “الدبلوماسية عبر الغارات الجوية” لصالح مقاربة دفاعية لا هجومية، تشمل الاستثمار في تبادل المعلومات الاستخباراتية وأنظمة الدفاع الصاروخي بدلاً من إعادة بناء القواعد المدمرة.
كما يدعو إلى مسار دبلوماسي جاد لإدماج إيران في منظومة أمنية إقليمية كشريك لا كعدو، مستشهداً بتصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس عن استعداد لـ”تحويل جذري” للعلاقة مع إيران بعد اتفاق جديد. وبخصوص إسرائيل، يشير الكاتب إلى استطلاع لمؤسسة “كوينيبياك” في يونيو أظهر أن نحو ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين يرون أن الدعم الأمريكي لإسرائيل مفرط، وإلى تصويت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب في يوليو لصالح مشروع قانون لوقف المساعدات العسكرية عن إسرائيل، معتبراً أن على الإدارة المقبلة استثمار هذا الزخم للضغط على إسرائيل لوقف ضمها الزاحف للضفة الغربية وإنهاء تدخلاتها في لبنان وسوريا.
ويشدد الكاتب على أن الاستقرار الحقيقي في المنطقة يتطلب أيضاً تحولاً ديمقراطياً داخلياً، وأن واشنطن يجب أن تتخلى عن الصفقة التي سمحت لحلفائها الاستبداديين بالإفلات من قمع واسع النطاق، رغم إقراره بأن هذه الرسالة لن تحظى بترحيب في القاهرة أو الرياض أو عواصم أخرى كثيرة.
ويختم قائلاً إن واشنطن تجد صعوبة تاريخية في تخيل شرق أوسط لا تهيمن عليه، لكن ذلك النظام يتهاوى الآن، وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة أمام القادة الأمريكيين لتغيير المسار، وإلا فسيشهدون تلاشي “الشرق الأوسط الأمريكي” كما تلاشت من قبله الإمبراطوريات الأوروبية.


