تتزايد المخاوف الدولية من انزلاق العالم نحو سباق تسلح نووي جديد غير مسيطر عليه، في ظل انهيار المنظومة القانونية والمعاهدات الدولية التي ضبطت الترسانات النواة لعقود، وسط تحذيرات من الاقتراب الفعلي من لحظة “هرمجدون” أو المواجهة الفاصلة.
في افتتاحية لواشنطن بوست فإن عصر المعاهدات الثنائية انتهى فللمرة الأولى منذ عام 1972، تجد الولايات المتحدة وروسيا — اللتان تستحوذان على نحو 86% من الترسانة النووية العالمية — نفسيهما دون أي إطار معاهدة لتقييد الأسلحة الاستراتيجية، وذلك عقب انقضاء أجل معاهدة “نيو ستارت” (New START) في فبراير الماضي، والتي رفضت الإدارة الأمريكية تمديدها بشروطها القديمة طلباً لاتفاق أشمل وأكثر ملاءمة للواقع السياسي الجديد.
لم يعد مفهوم “الحد من الأسلحة الثنائي” مفيداً في عالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية، لا سيما مع القفزات التي تحرزها الصين في توسيع كتلها الحربية؛ إذ تتجاوز ترسانتها اليوم 600 رأس نووي مع رفض متواصل للانضمام إلى محادثات ثلاثية مع واشنطن وموسكو. وعلى صعيد متصل، تمتلك كوريا الشمالية نحو 50 رأساً حاسماً ومواد انشطارية تكفي لإنتاج 90 رأساً، في ظل جماد تام للمفاوضات منذ عام 2019.
أدى تراجع الثقة في صلابة “المظلة الأمنية الأمريكية” إلى دفع حلفاء تقليديين في آسيا نحو إعادة تقييم مواقفهم التاريخية والتفكير في كسر المحظور النووي؛ ففي كوريا الجنوبية تُظهر أحدث استطلاعات الرأي أن نحو 70% من الكوريين الجنوبيين باتوا يدعمون امتلاك بلادهم سياجاً نووياً مستقلاً لمواجهة تهديدات الجار الشمالي.
وفي اليابان رغم التزامها المعلن بـ “المبادئ الثلاثة الرافضة للأسلحة النووية”، فقد بدأت القيادة السياسية تحركات حذرة؛ حيث ألمحت رئيسة الوزراء “ساناي تاكايتشي” إلى تبني مواقف تحوطية، في حين دعا وزير الدفاع “شينجيرو كويزومي” علناً إلى فتح نقاش مجتمعي وسياسي حول الخيارات الدفاعية المتاحة.
يرى الطرح “الواقعي” أو ما يُعرف بـ “المتفائلين النوويين” أن امتلاك دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية أسلحة نووية قد يخلق حالة من الردع والتوازن مع الصين وكوريا الشمالية، على غرار تجربة الهند وباكستان أو حقبة الحرب الباردة، مما يتيح للولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري في آسيا.
إلا أن التحليل الاستراتيجي يؤكد أن زيادة القوى النووية ترفع درجات عدم الاستقرار؛ فزيادة الأطراف الممتلكة لزر الإطلاق تضاعف فرص الأخطاء وسوء التقدير. كما أن الضغط الزمني في شرق آسيا حرج للغاية؛ إذ إن الصاروخ الباليستي قد يستغرق 30 دقيقة للوصول إلى واشنطن، ولكنه قادر على مسح طوكيو أو سيول في أقل من 15 دقيقة، ما يلغي هامش التفكير ويدفع باتجاه استجابات متهورة وخاطفة.
في ظل استبعاد التوصل إلى معاهدات نزع سلاح شاملة في الوقت الراهن، يبرز خيار “إجراءات بناء الثقة” للحد من المخاطر.
فالإخطار المسبق والتزام القوى النووية طوعاً بإبلاغ الأطراف الأخرى بالتجارب وإطلاقات الصواريخ والمناورات العسكرية الكبرى يجنب سوء الفهم.
أيضا من المهم الشفافية والتفتيش وتبادل البيانات حول المخزونات النووية والسماح بالرقابة الدولية.
وكذلك تأسيس “خطوط ساخنة” عسكرية بين جميع القوى النووية — بما فيها الصين — وعزل قنوات الاتصال الدفاعية عن الخلافات الدبلوماسية والتجارية.
وايضا الإقرار بالواقع، والتعامل مع كوريا الشمالية كدولة نووية “أمر واقع” لتأمين الاتصال والمراقبة دون الحاجة لاشتراط الاعتراف القانوني ببرنامجها.
وتقول افتتاحية واشنطن بوست أن النافذة التي فتحت قبل عقود بين واشنطن وموسكو للقضاء الكامل على الأسلحة النووية قد أُغلقت، إلا أن تبني خطوات تنظيمية مرحلية ومباشرة يبقى السبيل الوحيد لإعادة “ساعة القيامة” — المستقرة حالياً عند 85 ثانية قبل منتصف الليل — إلى الوراء.


