بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيل ما أسماه بـ “مجلس السلام”، يتضح أن المشروع لم يتجاوز حدود الشعارات. المجلس الذي رُوّج له كبديل للأمم المتحدة، لم يحقق سوى إصدار ميثاق شكلي وتعيين عدد محدود من الضباط، فيما بقيت غزة مدمرة بلا إعادة إعمار حقيقية.
الوعود المالية الضخمة التي أطلقها ترامب وحلفاؤه لم تتحول إلى استثمارات فعلية، إذ لم يُصرف سوى جزء يسير من التعهدات، ولم تُنشأ القوة الدولية التي كان يُفترض أن تؤمّن عملية الإعمار. أما الحلفاء التقليديون لواشنطن، فقد تجنبوا الانخراط في المشروع وسط مخاوف من الحرب الأميركية-الإيرانية، والفراغ القانوني، وغياب رؤية عملية.
المجلس يبدو اليوم انعكاسًا لأسلوب ترامب السياسي: إطلاق مبادرات ضخمة، ووعود استثنائية، ثم الانتقال إلى ملفات أخرى قبل اختبار النتائج. من “إلغاء أوباما كير” إلى “مدن الحرية”، تتكرر النتيجة نفسها: مشاريع غير مكتملة ووعود لم تتحقق.
إن “مجلس السلام” ليس سوى أداة دعائية، تستهلك الوقت والموارد، وتضعف مصداقية الولايات المتحدة، فيما تبقى القضايا الملحة بلا حلول حقيقية. وفي ظل استمرار مأزق غزة بين الانسحاب ونزع السلاح، تبدو أحلام الأبراج والمراكز السياحية أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع.
أزمة المصداقية
عند النظر إلى تجربة “مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يمكن مقارنته بمبادرات أميركية سابقة نجحت في ترك بصمة عملية على النظام الدولي. أبرز مثال هو مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية، الذي لم يقتصر على إطلاق وعود، بل قدّم خطة اقتصادية واضحة، بتمويل ضخم، وإطار قانوني وتنفيذي متماسك، ما ساهم في إعادة إعمار أوروبا الغربية وتعزيز النفوذ الأميركي عالميًا.
في المقابل، يظهر “مجلس السلام” كنسخة دعائية بلا أدوات تنفيذية. فبينما كان مشروع مارشال قائمًا على مؤسسات مالية وإجراءات رقابية، اكتفى المجلس بميثاق شكلي وتعهدات مالية لم تُصرف. هذا الفارق يوضح أن نجاح المبادرات الأميركية في الماضي ارتبط بوجود إرادة سياسية جماعية، وآليات تنفيذية واضحة، وتحالفات دولية متينة، وهي عناصر غابت تمامًا عن مشروع ترامب.
كذلك، يمكن استحضار خطة بوش للشرق الأوسط الكبير في مطلع الألفية، التي رفعت شعارات الإصلاح والديمقراطية لكنها اصطدمت بالواقع الجيوسياسي، لتتحول إلى مشروع غير مكتمل. هنا نجد تشابهًا مع “مجلس السلام”: وعود كبرى، لكن دون توافق دولي أو أدوات عملية، ما أدى إلى فقدان المصداقية.
مجلس السلام ليس مجرد فشل إداري، بل يعكس أزمة أعمق في السياسة الأميركية المعاصرة: الميل إلى الشعارات الضخمة دون قدرة على تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ. هذا النمط يضعف الثقة الدولية في واشنطن، ويترك فراغًا سياسيًا تستغله قوى أخرى مثل الصين وروسيا لتقديم بدائل أكثر واقعية.
في النهاية، يظهر أن الفرق بين مشروع مارشال وخطة ترامب هو الفرق بين القيادة الواقعية والوهم الدعائي. وبينما استطاعت الولايات المتحدة في الماضي أن تبني نظامًا دوليًا جديدًا عبر مبادرات مدروسة، فإنها اليوم تواجه خطر فقدان دورها القيادي بسبب مشاريع غير مكتملة، تستهلك الوقت والموارد وتترك الأزمات بلا حلول.


