بقلم: طلعت رميح
تحدث نتنياهو كثيرًا عن التغييرات التي أحدثها في الشرق الأوسط باستخدام القوة العسكرية، عبر خوض الحرب على 7 جبهات، واعتبرها «حروب بقاء». كما تحدث عن تغيير عقيدة الجيش الإسرائيلي، وتغيير إسرائيل نفسها، إذ وصفها بـ «إسبرطة العظيمة».
لقد أفصح نتنياهو عن تبنّي نظرية «الحرب الدائمة»، فتفجّرت عاصفة ردود الفعل المنددة في إسرائيل، وجرى التشديد على أن تبنّي إسبرطة القديمة لاستراتيجية «الحرب الدائمة» انتهى بها إلى هزيمة كارثية.
وقد مثّل إفصاح نتنياهو انقلابًا على الرؤية التي اعتمدتها إسرائيل، وسارت عليها بدفع ودعم ورعاية أمريكية منذ نهاية حرب أكتوبر 73 وحتى «طوفان الأقصى»، ولم تخرج عليها الحكومات المتوالية من رابين وحتى لابيد ـ على اختلاف توجهاتهم ـ بما فيهم نتنياهو نفسه أثناء الحكومات التي ترأسها في أربع فترات سابقة على الطوفان.
تلك الرؤية كان قد بلورها شيمون بيريز في كتابه الصادر عام 1992 حول «الشرق الأوسط الجديد»، فتحدّث عن إعادة تشكيل خريطة المنطقة من خلال التحول من «اقتصاد الصراع» إلى «اقتصاد السلام»، وعن ضرورة تحوّل الدول العربية من المصلحة القومية إلى التفكير في المصلحة الإقليمية، وعن مشروعات ضخمة، وفتح الحدود، وبناء نظام إقليمي يُدار بمساعدة الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية الصاعدة.
وهي النظرية التي جرى على أساسها عقد اتفاقات سلام مع مصر والأردن وحركة فتح. واقتصرت الخطط العسكرية الإسرائيلية على «جزّ العشب» والمطاردة الساخنة لإضعاف حزب الله في لبنان وحماس في غزة، وكان توسيع أعمال الاستيطان في الضفة الغربية والقدس هدفًا محوريًا، لكن وفق معدلات متدرّجة.
التغيير في الرؤية والحسابات الإستراتيجية
لم تكن نظرية «إسبرطة» هي ما سعى إليه نتنياهو في البداية. كانت رؤية نتنياهو أن يخوض حربًا متوسعة يتنقل خلالها بين الجبهات وفق نظرية «الحسم السريع» المعتمدة في الجيش الإسرائيلي. وهو كان رافضًا ـ من الأصل ـ لخطط التسويات، إذ هو صاحب مقولة إن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، كما ورد في كتابه «تحت الشمس».
وقد تكاملت عدة عوامل فتحت الطريق لإطلاق نتنياهو خططه للحرب المتوسعة، بديلًا لما سارت عليه إسرائيل سابقًا.
ساق نتنياهو مبررات هذا التغيير، فتحدّث عن إزالة التهديدات الناتجة عن إحاطة إسرائيل من الشمال بحزب الله، ومن الجنوب بحماس، وعن تصاعد خطر البرنامج النووي الإيراني وكيف أصبح على بعد أسابيع من إنتاج القنبلة النووية. وفي الخلفية جرت أحاديث عن أن دولًا عربية ستحذو حذو إيران، وأن إسرائيل ستفقد تفردها بامتلاك السلاح النووي في الإقليم.
وبُنيت حسابات نتنياهو على أن العرب في أضعف حالاتهم بسبب ما نتج عن الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق من خروج جيشه الوطني من المواجهة، وما جرى خلال «الربيع العربي» من تفكك دول عربية واندلاع حروب داخلية.
تلقّ تنبيهات وتحديثات فورية بحسب اهتمامك. كن أول من يعلم بالقصص المهمة
نعم، أبقني على اطلاع
وقد اتُّخذ القرار بناءً على تقدير بأن الولايات المتحدة مستمرة في دعمها اللامحدود لإسرائيل بفعل سطوة اللوبي الصهيوني على القرار والرأي العام، وهو تقدير تعزز بعد حضور بايدن ووزير خارجيته لإسرائيل، ونشر حاملات طائرات وغواصات، وكذلك أوروبا.
وساهمت التطورات السياسية الداخلية في إسرائيل في هذا التغيير؛ إذ أصبح لنتنياهو ظهير سياسي مساند في مواقع صناعة القرار مثل سموتريتش وبن غفير.
لماذا انتقل نتنياهو من الحرب المتوسعة إلى الحرب الدائمة؟
اقتنص نتنياهو فرصة ما حدث من حالة فزع في الغرب وفي الكيان الصهيوني لشنّ حرب متوسعة، لكن فشله المتكرر على كل تلك الجبهات دفعه إلى ولوج نظرية «الحرب الدائمة».
وقد وصل معارضوه لهذا التقدير، فباتوا يتهمونه بالهروب إلى الأمام، والانتقال من فشل إلى آخر، وأن تبنّي نظرية «إسبرطة» يهدد بقاء إسرائيل، ووصلت حدّ اتهامه بالجنون.
لقد هاجمت إسرائيل إيران للقضاء على برنامجها النووي وتفكيك النظام، فلم تُحسم المعركة، وعاد الحديث عن حرب جديدة قادمة. كما لم تتمكن إسرائيل من تركيع الميليشيات التابعة لإيران سواء حزب الله في لبنان أو الحوثيين في اليمن، وعاد الحديث عن حرب أخرى على حزب الله.
وفي سوريا، بات واضحًا أن نتنياهو يسير ضد التاريخ، ويذهب إلى حرب لا نهاية لها مع الحكم الجديد الذي تمرّس قادته في الحروب غير النظامية لسنوات طوال.
ولم يحسم الجيش الصهيوني المواجهة الحربية في غزة؛ إذ نجح تكتيكيًا وهُزم استراتيجيًا حسب التوصيف الأمريكي.
وجاء القرار الطائش بالعدوان على قطر ليحسم الموقف الأمريكي بوقف نظرية «الحرب الدائمة» ونزع إدارة الصراع من يد نتنياهو وحكومته؛ إذ وجدت أمريكا نفسها في قلب إدارة كل تلك الحروب بشكل مباشر. فهي من أوقفت حرب إيران، وهي من تفاوضت مع الحوثيين وعقدت اتفاقًا منفردًا معهم، وهي من تدخلت وأوقفت الحرب في لبنان، وهي من تدخلت في غزة.
أمريكا والعودة إلى الشرق الأوسط.. الأسباب والدوافع
كان الشائع أن الولايات المتحدة بدأت تغادر الشرق الأوسط، وتخطط لتعميد إسرائيل قائدًا للمنطقة، لتتوجه بقدراتها إلى محيط الصين. ولكن الحادث الآن هو العكس؛ فقد خففت أعباءها في أوروبا، وزادت وجودها ودورها المباشر في الشرق الأوسط.
لقد أدركت الولايات المتحدة أن فشل الحسم السريع وتبنّي خطة الحرب الدائمة صار يحشد دول الإقليم ويقربها من بعضها، وأن الأمور ذاهبة باتجاه بناء نظام إقليمي عربي إسلامي في مواجهة إسرائيل. كما راقبت حدوث تحولات فعلية في معالم قوة وتأثير دول إقليمية وأن الصراعات البينية تتجه للخمود.
ورأت أن الموقف الأمريكي الداعم لحروب إسرائيل يدفع دول المنطقة للتعاون مع المنافسين الدوليين ـ الصين وروسيا ـ اقتصاديًا وعسكريًا على حساب المصالح الأمريكية.
أمريكا تتورّط.. وإسرائيل تنعزل.. والشرق الأوسط القادم مختلف
أصبحت الولايات المتحدة حاضرة في الإدارة اليومية للصراع بالمنطقة، وهو تطور جديد لم يسبق حدوثه. وقد قبلت باستبعاد مرحلي لإسرائيل، كما جرى خلال توقيع اتفاق شرم الشيخ، وأعلنت بناء قاعدتين عسكريتين جديدتين: الأولى في سوريا، والثانية في جنوب غزة كنقطة ارتكاز لإنهاء ملف غزة لمصلحة إسرائيل.
وهكذا تغيرت التوازنات في الشرق الأوسط بالوجود الأمريكي العسكري والدبلوماسي على خلفية التعامل مع المشكلات المتفجرة بالمنطقة. وبذلك ورّطت أمريكا نفسها ودخلت إلى منطقة «رمال متحركة» (حسب وصف سابق لترامب نفسه).
لم يأتِ تكثيف الوجود العسكري والدبلوماسي الأمريكي المباشر مرتبطًا بحلول مقبولة في الإقليم؛ فالأطراف التي اشتبكت في الحروب لا تزال فاعلة، والجيش الإسرائيلي ما زال يقصف.
لقد أنهت أمريكا مفاعيل «الحرب الدائمة»، وتحولت إلى استراتيجيتها «الإبراهيمية» دون تقديم حلول حقيقية بشأن القضية الفلسطينية، والبرنامج النووي الإيراني، والجولان، ولبنان، وسوريا. وما أعلنته بشأن الضفة الغربية هو مجرد حديث، حيث تتواصل أعمال القتل والتهويد والاستيطان.
وقد تصحو أمريكا على حدث جلل في الأقصى يربك كل خططها.
ولذلك فالتغيير الأهم في الشرق الأوسط هو ذاك الذي يجري بهدوء لبناء نظام إقليمي عربي إسلامي في مواجهة إسرائيل، باعتبارها مهددًا استراتيجيًا منفلت العقال. وهو تغيير سيتصاعد فور توجه الولايات المتحدة للاشتباك مع الصين
الجزيرة مباشر



