الإثنين, مارس 2, 2026
spot_imgspot_img

ذات صلة

spot_img

الأكثر قراءة

spot_img

زهران ممداني والتحولات التي تحاصر الأقلية الإنجيلية البيضاء

بقلم: عامر عبد المنعم
فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك كان بمثابة زلزال هزّ الولايات المتحدة، وهو نتيجة عملية لحجم التحولات التي تحاصر اليمين الأمريكي والنخبة البيضاء الإنجيلية التي تشعر بأفول هيمنتها وتآكل نفوذها، وتريد استعادة السيطرة على أمريكا بطرق غير ديمقراطية، وتتعمد افتعال معارك في الداخل والخارج وفي كل الاتجاهات لإشغال الأمريكيين وصرف الأنظار عن عودة المشروع القديم للرجل الأبيض الذي سيؤدي حتمًا إلى الحرب الأهلية.

منذ مجيء ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني الماضي وهو يعمل مع حركة «MAGA» الإنجيلية على التمكّن من مفاصل الدولة الأمريكية، فانفرد بالقرار وجمّد الكونغرس بتواطؤ من الجمهوريين الذين يشكلون الأغلبية في المجلسين، وفكّك الوكالات التي لم تخضع له، وسرّح آلاف الموظفين الفيدراليين، وأرسل الحرس الوطني للسيطرة على بعض المدن التي يديرها الديمقراطيون بمزاعم محاربة غزو المهاجرين.

عين ترامب الموالين له في الوكالات والوزارات، وغير اسم البنتاغون إلى «وزارة الحرب»، واتخذ خطوات عملية لاستخدام الجيش في عسكرة الحياة المدنية شيئًا فشيئًا، وشكّل قوات إضافية باسم «التدخل السريع» لإخماد الاضطرابات المدنية المتوقعة، ويدلي ترامب وأنصاره بتصريحات مفادها أنه باقٍ في منصبه ولن يغادر البيت الأبيض بعد انتهاء مدته!

التصريحات والمواقف التي أبداها ترامب واليمين الأمريكي أثارت القلق في عموم الولايات الأمريكية وزادت من حجم المعارضين، وظهر هذا الشهر الماضي في نزول سبعة ملايين أمريكي إلى الشوارع في الولايات الخمسين وهم يرفعون شعار «لا ملوك»، وأشعلت الطموحات العنصرية المخاوف من احتمالات العودة إلى التاريخ الدموي القديم للبيض الإنجيليين الأنجلوساكسون، الذين يعتقدون التفوق العرقي وأن أمريكا ملكٌ لهم وحدهم دون غيرهم.

نيويورك مجرد بداية

نيويورك نموذج مصغر للصراع بين الأقلية الإنجيلية البيضاء المتحالفة مع اللوبي الصهيوني ضد الأغلبية من البيض الآخرين والملونين وأصحاب الديانات الأخرى والمذاهب المسيحية المخالفة، وهذا الصراع الذي كان خفيًا في العقود السابقة ويظهر في حوادث متفرقة وعلى فترات متباعدة، عاد إلى الظهور علانية وبكل قوة منذ عودة ترامب.

دخل ترامب بكل قوته في انتخابات نيويورك لإسقاط ممداني، وهدد بقطع التمويل الفيدرالي ولوّح بإرسال الحرس الوطني، وكشف قلق الرئيس الأمريكي عن انزعاج حركة الرجل الأبيض من تحالف الأقليات وتساندها لمرشح ينتمي إلى الأقلية المسلمة الصغيرة، في معقل اللوبي الصهيوني، وفي مدينة المال والأعمال التي يسيطر عليها أثرياء البيض الإنجيليين منذ نزول الإنجليز البيوريتان على الساحل الأمريكي في أوائل القرن السابع عشر.

يرجع فوز زهران ممداني لشخصيته الكاريزمية، ولبرنامجه البراق للعدالة الاجتماعية، والانحياز للعمال والفقراء والطبقة المتوسطة ضد الأثرياء أصحاب المليارات، والأهم لموقفه الرافض للإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون، وتعهده بالقبض على نتنياهو إذا دخل نيويورك وتنفيذ حكم المحكمة الجنائية الدولية باعتباره مجرم حرب، وهذا يعني منع رئيس الوزراء الإسرائيلي من حضور أي مؤتمر في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، ويؤكد هذا الموقف أن غزة حاضرة بكل قوة في أي انتخابات تجرى في أوروبا وأمريكا، ومن أبرز الأمثلة الإطاحة بريشي سوناك وجو بايدن.

قطاعات واسعة من ناخبي نيويورك من شتى الأعراق والأديان، بما فيهم ثلث اليهود الرافضين للصهيونية، أعجبوا بشجاعة ممداني في تصديه لترامب وقيادة المعركة ضد أجندة اليمين الأمريكي، وتأكد هذا التوجه الشعبي العام في فوز الديمقراطيين بمنصبي العمدة في ولايتي فيرجينيا ونيوجيرسي، ونجاح الاستفتاء الذي أجراه الحاكم الديمقراطي في كاليفورنيا على إعادة تقسيم الدوائر.

إنجاز قياسي للمسلمين

من المفاجآت في هذه الانتخابات فوز 38 مسلمًا من أصل 76 مرشحًا على مستوى الولايات الأمريكية بمناصب عمد في مدن أمريكية، وعضوية مجالس مدن ومجالس تشريعية ومناصب أخرى، أبرزهم غزالة هاشمي نائبة حاكم ولاية فرجينيا، وعبد الله حمود عمدة ديربورن، ومو بيضون عمدة ديربورن هايتس، وفيض الكبير عمدة كوليدج بارك، وتيد جرين عمدة إيست أورانج. وأكد مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية أن هذه النتائج تشكل «رقمًا قياسيًّا» سواء في عدد المرشحين أو الفائزين من بينهم.

النتائج التي حققها الديمقراطيون والمسلمون في القلب منهم ترجع إلى التحولات الكبرى والشعور بالخطر من تيار ترامب الذي يعادي التنوع العرقي والديني، ويمهد للحرب الأهلية وتفكيك الولايات المتحدة. فأغلبية الأمريكيين بعد حرب غزة لا يشعرون بأن الخطر في الإسلام كما يروج اليمين الأمريكي، وإنما في الأقلية الإنجيلية البيضاء التي ترفع السيف على الجميع.

لم تعد الشعارات الدينية التي يرفعها ترامب لحشد المسيحيين خلفه تقنع معظم الأمريكيين، ولم تتجاوب معه الطوائف المسيحية ضد المرشح المسلم، وبقراءة التقسيم الديني للسكان في نيويورك يتبين حجم التحولات وهي أرقام جديرة بالتأمل؛ ففي آخر تعداد لمكتب الإحصاء الأمريكي يبلغ عدد سكان مدينة نيويورك 8.804 مليون نسمة، ووفقا لدراسات مركز بيو Pew ومعهد أبحاث الدين العام PRRI ينقسمون دينيا إلى: الروم الكاثوليك 33%، اللادينيون حوالي 25%-29%، إجمالي البروتستانت 23% والإنجيليين البيض طائفة ترامب 8% فقط، اليهود حوالي 7%-8%، المسلمون حوالي 2%-3%، والديانات الأخرى كالهندوس والبوذيون وغيرهما 5%، وبمقارنة هذه الأرقام مع نتائج الانتخابات يتبين فشل دعاية الإسلاموفوبيا، وأن ترامب نجح في عزل التيار الذي يتبنى أفكار التفوق العرقي. .

تؤكد نتائج الانتخابات التوقعات بأن الجمهوريين سيخسرون انتخابات التجديد النصفي للكونغرس العام القادم، أي أن ترامب أمامه عام واحد وبعدها عليه مواجهة أغلبية مناوئة تقطع عليه الطريق وتفسد عليه خطط الانقلاب قبل انتخابات الرئاسة عام 2028. ولن ينفعه التحالف مع اللوبي الصهيوني الذي كان أكبر الخاسرين بسبب حرب غزة، وظهر اللوبي أمام ممداني مهزوما ومنهارًا وكأنه بيت عنكبوت.

التحولات ليست في صالح الإنجيليين البيض

الحقيقة التي تدفع ترامب واليمين الأمريكي للاستبداد والبحث عن وسائل غير ديمقراطية للبقاء في السلطة بعيدًا عن الصندوق الانتخابي هي تراجع عدد الإنجيليين البيض وتقلص الحاضنة الدينية الشعبية في عموم الولايات الأمريكية، وميل كفة الميزان لصالح الأقليات والطوائف الدينية والأعراق الأخرى، حيث يُقدَّر عدد المسيحيين البيض الإنجيليين الأنجلوسكسون (WASP) في إحصاءات عام 2025 بحوالي 39.9 مليون شخص، يشكلون نحو 12% من إجمالي عدد السكان الأمريكيين الذي يُقدَّر بـ348 مليونًا.

يأتي تناقص الإنجيليين البيض في إطار تراجع عام للمسيحية في الولايات المتحدة، فالأرقام عن التحولات الدينية والعرقية التي تصدرها مراكز الأبحاث والإحصاءات الرسمية وغير الرسمية تشير إلى أن الأغلبية المسيحية في أمريكا تتقلص منذ سنوات، فبعد أن كانوا يمثلون حوالي 90% من السكان قبل 50 عامًا، فإن النسبة انخفضت في 2025 إلى حوالي 62% (إحصاءات Pew وPRRI)، وتشير التوقعات إلى أنه إن استمر معدل التراجع فإن عدد المسيحيين قد يشكل 46% من سكان الولايات المتحدة في عام 2070.

بجانب الإنجيليين البيض يشمل العدد الإجمالي للمسيحيين الذي يبلغ نحو 219 مليونًا، كلًّا من: الأمريكيين البروتستانت البيض التقليديين 26.3 مليونًا بنسبة 8%، والبيض الكاثوليك حوالي 38 مليون نسمة بنسبة 11%، وبقية المسيحيين من اللاتينيين والهاسبانيين والأمريكيين ذوي الأصل الإفريقي والآسيويين وأعراق أخرى. لكن التراجع الكبير في عدد معتنقي المسيحية لم يكن لصالح الإسلام كما يروج دعاة الإسلاموفوبيا -رغم زيادة معتنقي الإسلام- وإنما جاء بسبب زيادة حركة الارتداد والخروج من المسيحية إلى اللادينية التي أصبحت ظاهرة ملفتة في المجتمع الأمريكي.

تراجع المسيحية في أمريكا

يتراوح عدد الأمريكيين الذين تركوا المسيحية واعتنقوا اللادينية خلال العقود الأربعة الأخيرة بين 25% و30% من إجمالي معتنقي المسيحية، وقد وصفها البعض بأنها أكبر طائفة بعد المسيحية، وتشير التقديرات إلى أن عددهم بلغ 55 مليونًا، وهي ظاهرة منتشرة بين البروتستانت والكاثوليك على السواء.

كانت نسبة الأمريكيين الخارجين من المسيحية في عام 1990 نحو 8% من الكتلة المسيحية، وزادت في عام 2000 إلى 14%، وقفزت في 2020 إلى 25%–28%، وبلغت في 2025 نحو 30%، وانتشرت هذه الظاهرة لعدد من الأسباب أهمها أن ملايين الشباب من جيل “Z” غير مقتنعين بالتفسيرات اللاهوتية التي تقدمها الكنائس، مع انتشار الفضائح الأخلاقية للقساوسة، والانفجار المعرفي بسبب مواقع التواصل والذكاء الاصطناعي الذي حفّزهم على الانفصال عن مجتمعاتهم التقليدية والانعتاق من الإعلام التقليدي. ومن أسباب تراجع تيار ترامب أيضًا انخفاض الإقبال على الزواج وتوقف التناسل، مما أدى إلى التناقص وشيخوخة السكان، وتسبب الفراغ الروحي في البحث عن دين آخر، فذهب معظمهم إلى اللادينية، بينما اتجه القليل منهم إلى الإسلام والبوذية والهندوسية والجماعات الروحية، والملفت أن الكثير منهم الآن يتضامن مع غزة ضد إسرائيل.

الملاحظ أن حركة الارتداد لا تحدث في أوساط المسلمين الذين يزيدون بوتيرة هادئة، ويحظون بثقة المجتمعات التي يعيشون فيها، خاصة بعد حرب غزة التي أعادت تقديم القضية الفلسطينية ورسالة الإسلام بصورة أكثر إيجابية لجمهور واسع كان مشوشًا بسبب الدعاية الصهيونية.

كان الأمريكيون من قبل ينسون خلافاتهم وصراعاتهم بالاحتشاد خلف القادة السياسيين ضد عدو خارجي، ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي كان الإسلام هو الهدف، لكن اليوم تصدَّع المجتمع الأمريكي وأصبحت الحرب داخلية بسبب سعي الإنجيلية البيضاء للاحتفاظ بالسلطة ورفض الاستسلام للواقع الجديد الذي تفرضه التحولات الدينية والديمغرافية.

الذي يهمنا في العالم العربي هو انعكاس هذه التحولات على السياسة الأمريكية والتعامل بإنصاف مع قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وهذا سيحدث تحت إكراه التحولات الداخلية التي كشفت عن هشاشة اللوبي المساند لـ«إسرائيل» وضعف تأثير المال المتحالف معه، وأكدت أن من يساند الإبادة سيخسر ومن يساند العدالة سيكسب.

الجزيرة مباشر