الرئيسيةاقتصادثورة المسيرات الرخيصة تُعيد تشكيل خارطة الاستثمارات الدفاعية العالمية

ثورة المسيرات الرخيصة تُعيد تشكيل خارطة الاستثمارات الدفاعية العالمية

spot_img

أحدثت الدروس المستخلصة من العمليات العسكرية الأخيرة في أوكرانيا وإيران صدمة عنيفة في أروقة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، مفسحة المجال أمام ما يصفه خبراء المال والعسكر بـ “التحول الجذري في الفلسفة العسكرية العالمية”. فبعد عقود من الهيمنة القائمة على إنفاق مليارات الدولارات لتطوير أنظمة أسلحة فائقة التعقيد وباهظة التكلفة، وجدت القوى العظمى نفسها في مواجهة واقع جديد: طائرات مسيرة انتحارية لا تتعدى تكلفة الواحدة منها 10,000 دولار باتت قادرة على شل حركة جيوش ترليونية وتغيير موازين القوى الجيوسياسية.

لطالما استندت الهيمنة العسكرية الأمريكية على معادلة بسيطة: إنفاق المبالغ الأكبر لشراء السلاح الأفضل والأكثر تعقيدًا.
ففي الجو، كانت مقاتلات مثل F-22 Raptor (بتكلفة 150 مليون دولار) تؤمن الأجواء لقاذفات الشبح الاستراتيجية، بينما تتكفل منظومات باتريوت (بـ 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد) بحماية القواعد الحليفة. وفي البحر، تتربع حاملة الطائرات النووية U.S.S. Gerald R. Ford (بقيمة 13 مليار دولار) على عرش البحار، توازيها في البر دبابات M1 Abrams المحصنة باليورانيوم المنضب.

لكن الميدان المعاصر أثبت أن هذه القوة الضاربة لم تعد كافية لضمان السيطرة المطلقة؛ حيث أظهرت المعارك — وفقًا لتقرير نشرته مجلة بارونز (Barron’s) للكاتب آل روت — أن طائرات مسيرة زهيدة الثمن نجحت في تحويل الغزو الروسي لأوكرانيا إلى حالة جمود ممتد بعد تدمير آلاف المدرعات. وفي الشرق الأوسط، تمكنت مسيرات “شاهد” الإيرانية اللامركزية من فرض تهديد حقيقي على حركة الملاحة في مضيق هرمز — الشريان الأهم للنفط العالمي — واضعةً واشنطن وتل أبيب أمام معضلة عسكرية واقتصادية معقدة، شُبهت بمحاولة “ضرب 100% من الذباب في نزهة صيفية”.

إعادة هيكلة ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2027
أمام هذا الواقع، سارعت الإدارة الأمريكية إلى إحداث ثورة في خطط الإنفاق؛ إذ أسهمت هذه التحولات في صياغة ميزانية الدفاع المقترحة من الرئيس دونالد ترامب للسنة المالية 2027، والتي بلغت 1.5 تريليون دولار، مسجلة قفزة بنسبة 50% مقارنة بميزانية 2026.

وفي خطوة استراتيجية، كشف وزير الدفاع بيت هيغسيث عن خطة طموحة تهدف إلى تسريع تسليح الجنود الأمريكيين بالمسيرات الذكية. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن تفجر ميزانية “مجموعة الحرب الذاتية الدفاعية” (DAWG) — التي ولدت من رحم مبادرة “Replicator” في عهد بايدن — لتنتقل من 225 مليون دولار فقط في عام 2026 إلى 55 مليار دولار في عام 2027.

ويقدر محللو وول ستريت، ومنهم لوي دي بالما من مؤسسة William Blair، حجم السوق الأمريكية السنوية للطائرات المسيرة منخفضة التكلفة بنحو 100 مليار دولار.

البنتاغون يبحث عن السيادة داخل الديار
بدأت واشنطن خطوات جادة لبناء قاعدة تصنيعية محلية مستقلة، استهلتها بفرض حظر كامل على الطائرات المسيرة غير العسكرية التابعة لشركة DJI الصينية (التي تسيطر على أكثر من 70% من السوق العالمية). ولم يكن الهدف مجرد حماية الأمن القومي، بل توجيه رسالة حاسمة لقطاع الصناعة الأمريكي: لقد حان وقت التصنيع لا الاستيراد.

وفي هذا الصدد، يبرز جيل جديد من الشركات الناشئة الخاصة التي تسعى لملء الفراغ الذي عجزت عنه — أو لم ترغب فيه — شركات الدفاع التقليدية:

Anduril: المملوكة للمقاول بالمر لوكي، والتي تُعد أثمن شركة ناشئة في قطاع الدفاع، وتطمح لتصبح “المتجر الشامل” للجيش عبر بناء أسلحة ومسيرات باستخدام تكنولوجيات تجارية جاهزة.

Shield AI: التي تعمل على دمج برمجيات “عقل الخلية” المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الطائرات الرخيصة.

Mach Industries: التي تعتمد على التصنيع المرن لإنتاج المسيرات والذخائر لمواجهة الفجوة التصنيعية الآخذة في الاتساع مع الصين.

خريطة الاستثمار: “صك الجودة” ينطلق من الجبهة الأوكرانية
بالنسبة للمستثمرين في الأسواق المالية، بات قطاع الدفاع ساحة ديناميكية جديدة وخارجة عن الأنماط التقليدية. ويرى المحللون أن سهم الطائرات المسيرة الأفضل هو السهم الذي يحمل ميزة “الاختبار الميداني في معارك حقيقية”. وتتصدر المشهد الآن أربع شركات عامة تفي بهذا المعيار:

Swarmer: شركة برمجيات متخصصة في إدارة أسراب المسيرات ذاتيًا بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتبلغ قيمتها السوقية 500 مليون دولار، مع توقعات بارتفاع سهمها بنسبة 33% ليصل إلى 60 دولارًا.

Aevex Aerospace: المنتجة لطائرات “Phoenix Ghost” الانتحارية. ورغم مخاطر تراجع الطلب الأوكراني مستقبلاً مع تحول كييف إلى التصدير، يُتوقع نمو مبيعات الشركة بنسبة 10% لعام 2027، وتُصنف حاليًا كأرخص الشركات مكررًا للربحية.

Red Cat Holdings: تصنع مسيرات استطلاع وهجوم تعمل بكفاءة حتى عند انقطاع الـ GPS، وتُعد المستفيد الأكبر من حظر المنتجات الصينية.

AeroVironment: العملاق البالغ قيمته 8 مليارات دولار، وصاحب ذخائر Switchblade الشهيرة. وتتميز الشركة بقدرتها العالية على تصنيع تكنولوجيا “مكافحة المسيرات” مثل أنظمة ليزر Locust (أسلحة الطاقة الموجهة) التي أثبتت فاعليتها مؤخرًا.

استراتيجية “المعاول والمجارف”: الاستثمار في المكونات
نظراً للسرعة الفائقة التي تتغير بها تكنولوجيا المسيرات، يفضل بعض مستشاري وول ستريت نهج استثمار غير مباشر عبر شراء أسهم الشركات التي تورد الأجزاء والمكونات الأساسية للقطاع:

Arxis: تورد قطع غيار إلكترونية وميكانيكية دقيقة وهندسة متطورة، وتُصنف كشركة نمو مرشحة للاستحواذ وقيادة السوق، وسط توقعات بمضاعفة أرباحها.

Kratos Defense: الرائدة في تطوير الطائرات غير المأهولة المتطورة (مثل Valkyrie XQ-58A) وأنظمة الدفع النفاث للمسيرات والصواريخ.

Ondas: التي تلعب دورًا بارزًا في تكنولوجيا صيد الطائرات المسيرة عبر نظامها المبتكر Iron Drone Raider الذي يلتقط المسيرات المعادية بواسطة شبكة في الهواء.

عمالقة الحرس القديم والتحول إلى حاضنات تكنولوجية
على الجانب الآخر، واجه عمالقة الدفاع التقليديون مثل Lockheed Martin وNorthrop Grumman ضغوطًا بيعية واضحة في الأسواق مؤخرًا نتيجة لارتفاع تقييمات أسهمهم مسبقًا، وتخوف المستثمرين من تآكل حصصهم لصالح الشركات الناشئة سريعة الحركة.

ومع ذلك، يؤكد المراقبون العسكريون أن الجيشين الأمريكي والحليف لن يتخليا عن الطائرات والمنصات المأهولة الكبيرة؛ حيث تخطط القوات الجوية لشراء آلاف الطائرات ذاتية القيادة (المقاتلات الرديفة المأهولة – CCA) لمرافقة الطائرات المقاتلة.

وتمتلك هذه الشركات التقليدية ميزة حاسمة تتمثل في وفرة رأس المال؛ مما يتيح لها العمل كـ “حاضنات تكنولوجية”. وعلى سبيل المثال، قامت شركة Lockheed Martin مؤخرًا بزيادة حجم صندوق رأس المال الاستثماري الخاص بها من 400 مليون دولار إلى مليار دولار لتمويل وامتصاص التقنيات الناشئة. وكما يرى مسؤولوها الماليون، فإن هذه الاستثمارات هي الضمانة الوحيدة لبناء قاعدة صناعية مرنة قادرة على ردع التهديدات المستقبلية.

خلاصة القول: إن الحرب — في جوهرها — سباق محموم ولا ينتهي نحو التفوق التكنولوجي. وإذا كان هناك ما أكدته الأحداث الأخيرة، فهو أن “حرب الطائرات المسيرة” بمختلف أشكالها وأحجامها في البر والبحر والجو قد بدأت للتو، وأن خريطة القوة العسكرية والاستثمارية لن تعود كسابق عهدها.

أحدث الأخبار

استقالة رئيس أعرق المنظمات الأدبية في الولايات المتحدة بسبب إسرائيل

تواجه منظمة "بن أمريكا" (PEN America) — إحدى أعرق المنظمات الأدبية المعنية بدفاع عن...

بوتين يرفع عدد الجيش الروسي لأكثر من 2.4 مليون فرد

وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً يرفع بموجبه إجمالي قوام القوات المسلحة إلى مليونين...

هجوم الحوثيين على خط النفط السعودي شرق-غرب

في تطور جديد يعكس تصاعد التوترات الإقليمية، أعلن المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، يحيى...

احتجاجات في ليبيا بسبب انقطاع الكهرباء

خرج مئات الليبيين إلى شوارع العاصمة الليبية طرابلس وضواحيها احتجاجًا على الانقطاعات الطويلة للتيار...

قد يهمك أيضا

بوتين يرفع عدد الجيش الروسي لأكثر من 2.4 مليون فرد

وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً يرفع بموجبه إجمالي قوام القوات المسلحة إلى مليونين...

تحالف شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية والكورية لضمان توريد أشباه الموصلات

اتفقت شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة مع التكتلات الكورية على إطلاق مشاريع تعاون استراتيجية بقيمة...

النفط يتخطى 90 دولاراً للبرميل مع تجدد الهجمات بين أميركا وإيران

تخطّت أسعار النفط مستوى 90 دولاراً للبرميل، خلال تعاملات جلسة الثلاثاء، بعد تجدد تبادل...