تواجه إندونيسيا تحولات جذرية ومثيرة للجدل منذ تولي الرئيس الحالي، الجنرال السابق برابوو سوبيانتو، مقاليد الحكم. ووفقاً لتقرير تحليلي نشرته مجلة The Economist البريطانية، فإن سياسات برابوو الاقتصادية والسياسية باتت تثير مخاوف حلفائه والمستثمرين الأجانب على حد سواء، وسط تحذيرات من انعكاس مكاسب ديمقراطية واقتصادية تحققت بشق الأنفس على مدار العقود الثلاثة الماضية.
أبرز مجريات المشهد الإندونيسي:
أطلقَ الرئيس برابوو مشروعين شعبويين ضخمين؛ تمثلا في خطة الوجبات المدرسية المجانية لمكافحة تقزم الأطفال، وتأسيس شبكة تضم 80 ألف تعاونية زراعية في القرى لإزاحة الوسطاء. وتُقدر التكلفة المتحفظة لهاتين المبادرتين بنحو 320 تريليون روبية (18 مليار دولار أمريكي)، ما يلتهم 10% من إجمالي إيرادات الموازنة.
تزامنَ هذا الإنفاق الباذخ مع تراجع العائدات الضريبية بنسبة 3% نتيجة انخفاض أسعار الصادرات الأساسية مثل زيت النخيل والنيكل، مما أدى إلى اتساع العجز المالي ليصل إلى 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وهو ما يضع البلاد على حافة تجاوز السقف القانوني الحرج البالغ 3%.
حذرتْ وكالة التصنيف الائتماني العالمية (S&P) من إمكانية خفض التصنيف الائتماني لديون إندونيسيا السيادية لأول مرة منذ الأزمة المالية الآسيوية، بعد أن باتت خدمة الدين تستهلك حصة متزايدة بلغت 16% من الإيرادات الحكومية نتيجة الاقتراض المتزايد لتمويل المشاريع الرئاسية.
أقالَ الرئيس برابوو وزيرة المالية المخضرمة “سري مولياني إندراواتي” التي قادت الانضباط المالي لثلاثة رؤساء سابقين، وعيّن بدلاً منها “بوربايا يودهي ساديوا” المشهور بنبرته الصدامية وهجومه المستمر على صندوق النقد الدولي، والذي يصر بدوره على أن الوضع المالي في أمان تامة رغم المؤشرات المقلقة.
استحدثتْ الرئاسة صندوق “دانانتارا” السيادي ونقلت إليه إدارة الشركات المملوكة للدولة بهدف زيادة توزيعات الأرباح وضخها في مشاريع الرئيس، كما تداخلت السلطة السياسية مع البنك المركزي عبر تعيين “توماس دجيواندونو” (ابن أخت الرئيس) في منصب رفيع، وسط نقاشات برلمانية لتقويض استقلالية المحافظ.
نجحَ برابوو في تركيز السلطة السياسية وتفكيك المعارضة تقريباً عبر ضم سبعة من أصل ثمانية أحزاب رئيسية في البرلمان إلى ائتلافه بنسبة استحواذ بلغت 91% من المقاعد، واصفاً المعارضة السياسية بأنها “ثقافة غربية لا داعي لتقليدها” في البيئة الإندونيسية.
أعادَ التوسع المستمر لدور القوات المسلحة في الحياة المدنية —عبر إسناد إدارة مطابخ الوجبات المجانية وبناء مستودعات التعاونيات للجيش— ذكريات حقبة “الدور المزدوج” إبان دكتاتورية صهره الأسبق سوهارتو، وتزايدت المخاوف بعد ملاحقة بعض النشطاء وتعديل قانون الجيش لصالح الضباط.
تسببتْ الحملات الحكومية لمصادرة الأراضي وفرض “السندات الوطنية” بفائدة منخفضة على كبار رجال الأعمال في نزيف لرؤوس الأموال؛ حيث استمر المستثمرون الأجانب في سحب أموالهم، وهبطت الروبية الإندونيسية بنسبة 11% أمام الدولار لتصل إلى أدنى مستوياتها تاريخياً، وسط احتقان شعبي يهدد بنقل الاحتجاجات إلى الشوارع.


