تجاوز إجمالي الدين العام الأمريكي عتبة 40 تريليون دولار، في محطة جديدة تعكس استمرار تعثر الولايات المتحدة في ضبط أوضاعها المالية، وسط اقتراب نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من مستويات لم تُشهد منذ الحرب العالمية الثانية.
في تقرير كتبه سام غولدفارب ومات غروسمان في صحيفة “وول ستريت جورنال” اليوم، أفادت وزارة الخزانة الأمريكية الأربعاء بأن “إجمالي الدين العام المستحق” بلغ رسمياً 40.047 تريليون دولار يوم الثلاثاء، ارتفاعاً من 39.987 تريليون دولار في اليوم السابق له.
ورغم أن بلوغ هذا الرقم يحمل دلالة رمزية، يشير التقرير إلى أنه لا يحمل بحد ذاته أهمية اقتصادية جوهرية، إذ يهتم معظم المستثمرين والاقتصاديين بمقاييس أخرى أكثر دلالة، أبرزها نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي تعطي صورة أوضح عن القدرة الاستيعابية الاقتصادية للاقتراض. كما يميل الاقتصاديون عادة للتركيز على مقياس مختلف هو “الدين الذي يحمله الجمهور”، والذي يستثني الدين المحتفظ به داخل الحكومة ضمن صناديق الضمان الاجتماعي، وقد بلغ هذا الرقم 32.266 تريليون دولار يوم الثلاثاء.
ومع ذلك، يبقى رقم الأربعين تريليون دولار كبيراً بما يكفي لجذب الانتباه، ولو بشكل مؤقت، إلى ما يتفق عليه معظم الاقتصاديين بأنه مسار مالي غير مستدام. وقد تجلت المخاطر المرتبطة بذلك في الأيام الأخيرة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي طويل الأجل، ثم انعكاس مفاجئ لهذا الاتجاه الأربعاء بعدما أعلنت وزارة الخزانة عن خطط لإعادة شراء المزيد من الديون طويلة الأجل.
كيف تراكم هذا الدين؟
يتراكم الدين عبر العجز السنوي في الموازنة، أي عندما تنفق الحكومة أكثر مما تجمعه من إيرادات. وفي السنوات الأخيرة، بلغ العجز مستويات غير معتادة تقارب 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لا يُسجل عادة إلا في أوقات الحروب أو الركود الاقتصادي.
ونتيجة لذلك، يتوقع على نطاق واسع أن تستمر نسبة الدين إلى الناتج المحلي في الارتفاع، لتصل إلى 120% خلال عشر سنوات و175% خلال ثلاثين عاماً، وفق تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس، استناداً إلى القوانين المعمول بها حالياً.
من يملك هذا الدين؟
تقترض الحكومة الأمريكية غالبية أموالها من سوق السندات عبر إصدار أدوات دين معروفة بسندات الخزانة وأذوناتها، يشتريها مستثمرون ومؤسسات حول العالم تتغير تركيبتهم بمرور الوقت. ويلاحظ التقرير أن حصة المستثمرين الأجانب، من القطاعين العام والخاص، من هذه السندات في تراجع مستمر، فيما تسد صناديق التحوط، المصنفة ضمن فئة “الأسر” في سجلات الاحتياطي الفيدرالي، جزءاً من هذا الفراغ.
ويثير هذا التحول قلق بعض المحللين، لأن صناديق التحوط تشتري عادة سندات الخزانة باستخدام أموال مقترضة، ما دفعها في بعض الأحيان إلى التخلص من هذه السندات بكثافة خلال فترات التوتر في الأسواق، كما حدث عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب عن رسوم جمركية شاملة في أبريل 2025، وهو ما أدى إلى انخفاض أسعار السندات وارتفاع عوائدها، التي تلعب دوراً رئيسياً في تحديد تكاليف الاقتراض مثل أسعار الفائدة على الرهون العقارية.
ميزة أمريكية نسبية
رغم تصاعد مستويات الدين، يشير التقرير إلى أن هذا الارتفاع لم يزعزع حتى الآن سوق السندات بشكل جوهري، ما يجعل خطر وقوع أزمة مالية شاملة أقرب إلى قلق نظري منه إلى تهديد عاجل. فالمستثمرون على دراية تامة باستمرار تزايد المعروض من السندات، لكنهم يواصلون شراء سندات الخزانة رغم ذلك، ما يبقي عوائدها قريبة نسبياً من أسعار الفائدة قصيرة الأجل التي يحددها الاحتياطي الفيدرالي.
وتتمتع الولايات المتحدة بميزة كبيرة مقارنة بدول أخرى، إذ تُعتبر سندات الخزانة الأمريكية على نطاق واسع الأصل الآمن المفضل لدى المستثمرين العالميين، وتستفيد من حلقة إيجابية: فالمستثمرون يفضلون امتلاك هذه السندات بسبب سيولتها العالية مقارنة بسندات حكومية أخرى، وهذا الطلب بدوره يضمن بقاءها سيولة، ما سمح حتى الآن للولايات المتحدة بمواصلة الاقتراض دون عواقب تُذكر.
الطريق إلى نسبة 100%
لم يكن الدين والعجز مشكلة دائمة في الاقتصاد الأمريكي؛ فالدين الذي يحمله الجمهور، والذي يقترب حالياً من مستويات الحرب العالمية الثانية عند نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي، لم يكن يتجاوز 31.5% من الناتج المحلي في عام 2001، عقب أربع سنوات حققت خلالها الحكومة فائضاً في الموازنة.
ويعزو التقرير الانحراف عن هذا المسار في مطلع الألفية إلى الحروب وانفجار فقاعة شركات الإنترنت وتخفيضات ضريبية، بينما ضاعف الركود الاقتصادي بين عامي 2007 و2009 هذا الاتجاه عبر استنزاف الإيرادات الضريبية وتحفيز برامج الإنقاذ الحكومي، كما فعلت جائحة كوفيد-19 لاحقاً. وفي الوقت ذاته، أدى تقدم السكان في العمر إلى زيادة الإنفاق على برنامجي “ميديكير” والضمان الاجتماعي، دون أن تواكب الإيرادات هذا التوسع، في ظل استمرار المشرعين بإقرار وتمديد تخفيضات ضريبية متكررة.
جوهر المشكلة
يوضح تفصيل الإنفاق الفيدرالي سبب صعوبة إجراء تخفيضات جوهرية فيه؛ إذ تذهب الغالبية العظمى من إنفاق الحكومة إلى برامج تضمن مزايا مباشرة للأفراد، مثل الضمان الاجتماعي و”ميديكير”، وتقليصها من المرجح أن يثير غضب شريحة واسعة من الناخبين. في الوقت نفسه، يعني تصاعد الدين ارتفاع مدفوعات الفوائد، وهي أيضاً غير قابلة للتخفيض اختيارياً.
أما بقية بنود الإنفاق الحكومي، كرواتب الموظفين الفيدراليين والمباني الحكومية وإنفاذ القانون، فتشكل نسبة صغيرة نسبياً من إجمالي الإنفاق. ومنذ ستينيات القرن الماضي، تضخّم الإنفاق الفيدرالي بشكل كبير مقارنة بحجم الاقتصاد الأوسع، بينما ظلت الإيرادات، ومعظمها من الحصيلة الضريبية، شبه ثابتة نسبياً.
حجم الأربعين تريليون دولار
يصعب استيعاب الحجم الهائل لدين الولايات المتحدة البالغ 40 تريليون دولار، وهو مبلغ يفوق بكثير الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد. ويعني ذلك أنه حتى لو وُجِّه كامل الدخل الأمريكي نحو سداد هذا الدين لمدة عام كامل، بدلاً من الرواتب وأرباح الشركات والاستثمارات، فإن الحكومة الفيدرالية ستظل مدينة بتريليونات الدولارات وفق هذا المقياس.
ويضرب التقرير مثالاً لافتاً: فحتى لو تبرّع رجل الأعمال إيلون ماسك بكامل ثروته الصافية التي تقارب تريليون دولار، وهو رقم مذهل بحد ذاته، لسداد جزء من الدين، فلن يُحدث ذلك أثراً يُذكر. ويشير التقرير أيضاً إلى أن إجمالي الدين الفيدرالي بات يقترب من مجموع ما تدين به كل الأسر والشركات الأمريكية مجتمعة (باستثناء البنوك).


