الرئيسيةالعالمالآلاف ينتفضون ضد العنصرية في أيرلندا الشمالية بعد أيام من العنف

الآلاف ينتفضون ضد العنصرية في أيرلندا الشمالية بعد أيام من العنف

spot_img

شهدت العاصمة الأيرلندية الشمالية بلفاست، عصر اليوم السبت، نقطة تحول مفصلية في مسار الاضطرابات الأهلية التي عصفت بها مؤخراً؛ حيث احتشد ما يقرب من 3,000 شخص في مظاهرة حاشدة أمام مبنى البلدية (Belfast City Hall) للتنديد بالعنصرية والجرائم المدفوعة بالكراهية. ووفقاً لتقرير ميداني موسع نشرته الصحفية جورجيا بيتس عبر “رابطة الصحافة” (Press Association)، فإن هذه الفعالية التي نُظمت تحت شعار “معاً ضد الكراهية” جاءت كـ “رد فعل شعبي حاسم” لوقف موجة من أعمال الشغب العنيفة التي استهدفت الأقليات والمهاجرين على مدار الأسبوع الماضي.

ورفع المشاركون في التظاهرة، التي نظمتها حركة “اتحدوا ضد العنصرية”، لافتات وشعارات واضحة صبّت جام غضبها على الخطاب المتطرف، ومن أبرزها: “أيها العنصريون عودوا إلى دياركم”، و*”المشكلة تكمن في الشر والعنف، وليس في العرق”. ودوت في أرجاء ساحة البلدية هتافات جماعية ردد فيها المتظاهرون: “من هي بلفاست؟ نحن بلفاست”، و”قولوها بصوت عالٍ وواضح.. اللاجئون مرحب بهم هنا”.

تعود الجذور المباشرة لهذه الاضطرابات إلى مطلع الأسبوع الجاري، وتحديداً يوم الاثنين الماضي، إثر وقوع حادث طعن مروع بسكين، أسفر عن إصابات بالغة للمواطن “ستيفن أوغيلفي”، شملت فقدانه لإحدى عينيه وتعرضه لجروح قطعية عميقة في الرأس والوجه والظهر. لكن بحسب التحليل الذي طرحه مال أوهارا، القيادي في حزب الخضر، خلال كلمته أمام الحشود، فإن الحادثة الجنائية تم اختطافها وتسييسها على الفور؛ إذ صرح قائلاً: “بمجرد أن رأيت مقطع الفيديو، ذهب فكري مباشرة إلى الضحية وعائلته، لكن في اللحظة التالية شعرت بقشعريرة في جسدي؛ لأنني علمت أن المحركين العنصريين والفاشيين سيستغلون الحادثة كذريعة لمهاجمة الأبرياء، وهذا ما حدث بالفعل”.

ولم يقتصر التحريض على النطاق المحلي، بل امتد ليتخذ أبعاداً رقمية عالمية؛ حيث تعالت صيحات الاستهجان والرفض من قِبل الحشود في بلفاست عند الإشارة إلى مالك منصة “إكس” (X)، إيلون ماسك، والذي وُصف في الخطابات بـ “أول تريليونير في العالم”. وجاء هذا الغضب الشعبي بعد أن رصدت التقارير منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك حساب ماسك، ساهمت في تضخيم الدعوات وحشد الأفراد للنزول إلى الشوارع واستهداف المهاجرين بناءً على عرق المهاجم المفترض.

عكست تصريحات القادة السياسيين حجم الضغط النفسي والأمني الذي عاشته المدينة؛ حيث عبر زعيم المعارضة في البرلمان الأيرلندي الشمالي (SDLP)، ماثيو أوكونيل، عن هذا التحول الدراماتيكي بقوله: “في مطلع هذا الأسبوع، كدت أبكي غضباً وخوفاً وإحباطاً من مشهد الكراهية المستشرية في شوارعنا.. والآن، أكاد أبكي أيضاً، ولكنها دموع الفرح برؤية هذا التضامن الشعبي العارم والمقاومة الصلبة للعنصرية”.

ومن جانبها، كشفت رئيسة بلدية بلفاست عن حزب (شين فين)، روز-ماري دونيلي، عن تلقيها تهديدات مباشرة؛ حيث أفادت بأن الشرطة زارتها في وقت سابق من هذا الأسبوع لتقرير وجود “خطر جدي يهدد حياتها” بسبب مواقفها. ومع ذلك، وقفت دونيلي أمام المتظاهرين لتؤكد بقوة: “إن بلفاست أقوى بفضل تنوعها.. وبلفاست التي أعرفها هي مدينة مرنة، رحيمة، ومرحبة بالجميع”.

أزمة السكن وتدمير المتاجر العربية والمسلمة
انتقدت الأوساط الحقوقية أسلوب تعاطي الأجهزة الأمنية مع الأزمة؛ حيث أشارت إيلين كروري، ممثلة منظمة (WRDA) للدفاع عن حقوق المرأة، إلى أن البنية الاجتماعية الهشة تسمح بإشعال النيران سريعاً، قائلة: “كل ما يتطلبه الأمر هو أن يرتكب شخص واحد غير أبيض جريمة ما، لتشتعل نيران العنصرية مجدداً”. وعزت كروري ذلك إلى الفشل في معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة، لافتة إلى مفارقة تصنيفية مفادها أن الشرطة اعتقلت من المخرّبين عدداً “أقل بكثير من عدد الأشخاص الذين تم تشريدهم رسمياً وجعلهم بلا مأوى” نتيجة الاعتداءات على منازلهم ومتاجرهم.

وفي سياق متصل، كشفت قيادة شرطة أيرلندا الشمالية (PSNI) عن حصيلة العمليات الأمنية حتى اليوم السبت، مؤكدة اعتقال 23 شخصاً على خلفية أعمال الشغب، جرى توجيه اتهامات رسمية وإحالة 17 منهم إلى المحاكمة العاجلة.

وكانت أبرز الأضرار المادية الميدانية قد تمثلت في إحراق “سوبر ماركت الشام” (Sham Supermarket) في منطقة “ساندي رو” مساء الثلاثاء الماضي. وفي شهادة مؤثرة نقلتها جورجيا بيتس في تقريرها لـ “رابطة الصحافة”، تحدث مالك المتجر، السيد محمد (الذي فضّل عدم ذكر لقبه لحماية عائلته)، واصفاً لحظة تلقيه الخبر وهو في منزله عبر اتصال من أصدقائه يقولون له: “لقد انتهى متجرك تماماً”.

وأضاف الأب المكلوم والدموع في عينيه أنه عاجز عن العثور على كلمات تشرح لأطفاله ما حدث، خاصة وأن المتجر كان قد أُعيد افتتاحه لتوّه بعد أن تعرض لاعتداء مماثل قبل صيفين تحت إدارة مالكين سابقين، مؤكداً أن متجره كان الوحيد المستهدف في المنطقة بأكملها. هذا وقد تم إطلاق حملة تبرعات إلكترونية عبر منصة (GoFundMe) لمساعدة العائلة في إزالة الركام وإعادة بناء المتجر المنكوب.

واختتمت المظاهرة الحاشدة أعمالها بعد نحو ساعتين من الانعقاد السلمي، دون تسجيل أي خروقات أمنية، تزامناً مع نصائح السلامة الإرشادية التي نشرها المنظمون مسبقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحث الحضور على “الحفاظ على الهدوء والتركيز والالتزام بالسلمية”.

ورغم نجاح هذا الاستعراض البشري المهيب في توجيه رسالة تضامن قوية وتخفيف حدة الاحتقان الفوري في الشوارع، إلا أن المراقبين للشأن الأيرلندي الشمالي يجمعون على أن التحدي الحقيقي لحكومة بلفاست يكمن في تفكيك خلايا التحريض اليميني المتطرف عبر الإنترنت، ومعالجة أزمات السكن واللجوء بنيوياً، لضمان عدم انفجار الشارع مجدداً أمام أي حادث عرضي مستقبلي.

أحدث الأخبار

الرئيس السوري ينفي ما يشاع عن تدخل سوري في لبنان

نفى الرئيس السوري أحمد الشرع ما يُشاع حول احتمال دخول قوات سورية إلى لبنان،...

حروب ترامب الثقافية تلاحق المنتخب الأمريكي في كأس العالم

نشأ نجم هوكي الجليد الأمريكي، جاك هيوز، في ولاية ميشيغان الشغوفة بهذه اللعبة، وكان...

الحكومة الامريكية تشجع قطاع الأعمال لإنتاج الصواريخ الفرط صوتية الرخيصة

تواجه الإستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة أزمة كفاءة إنتاجية حادة، تجسدت ملامحها في التقارير الإستراتيجية...

قد يهمك أيضا

حروب ترامب الثقافية تلاحق المنتخب الأمريكي في كأس العالم

نشأ نجم هوكي الجليد الأمريكي، جاك هيوز، في ولاية ميشيغان الشغوفة بهذه اللعبة، وكان...

الحكومة الامريكية تشجع قطاع الأعمال لإنتاج الصواريخ الفرط صوتية الرخيصة

تواجه الإستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة أزمة كفاءة إنتاجية حادة، تجسدت ملامحها في التقارير الإستراتيجية...

تصريحات إسرائيلية تحرض لمعركة مع تركيا بعد إيران

أثارت تصريحات أدلت بها شخصية إسرائيلية بارزة على شاشة التلفزيون الإسرائيلي، موجة عارمة من...