تواجه الاستراتيجية العسكرية الأمريكية تحدياً هو الأخطر من نوعه منذ عقود، حيث تصاعدت مؤخراً الأصوات المطالبة بإنهاء دور الولايات المتحدة كـ “ضامن وحيد” لحرية الملاحة العالمية. ويأتي هذا التحول مدفوعاً بمتغيرات جيوسياسية وبروز قوى إقليمية استطاعت تحجيم القوة البحرية التقليدية لواشنطن في مناطق حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب.
وفقا لمقال كتبته جينيفر كافانا في مجلة “فورين بوليسي” يرى محللون عسكريون أن الحقبة التي كانت فيها البحرية الأمريكية تسيطر على البحار دون منازع تقترب من نهايتها. فبالرغم من القوة الساحقة للأساطيل الأمريكية، أثبتت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط أن “الأسلحة منخفضة التكلفة” مثل الطائرات المسيرة والألغام والصواريخ المضادة للسفن التي تستخدمها قوى كإيران وجماعة الحوثي، قادرة على عرقلة الملاحة في الممرات الضيقة، مما يجعل ضمان حرية الملاحة المطلقة أمراً غير مستدام تقنياً ومالياً.
إلى جانب التهديدات غير التقليدية، يبرز التوسع البحري الصيني الهائل كعامل حسم في تقليص نفوذ واشنطن. فبينما تظل الولايات المتحدة متفوقة في أعالي البحار، فإن قدرتها على المناورة في المياه الإقليمية لشرق آسيا والقطب الشمالي أصبحت مقيدة، حيث تمنع منظومات الصواريخ المتطورة السفن الأمريكية من الاقتراب من سواحل الخصوم.
يقترح خبراء استراتيجيون، من بينهم كاتبة المقال جينيفر كافانا مديرة التحليل العسكري في مؤسسة “أولويات الدفاع”، ضرورة تبني واشنطن لنهج أكثر واقعية يتضمن النقاط التالية:
السيطرة المؤقتة بدل الهيمنة المطلقة: التركيز فقط على تأمين الوصول للممرات البحرية عند الضرورة القصوى لنقل الأصول العسكرية أو الوصول للأسواق الحيوية.
نقل العبء للأطراف الإقليمية: إلقاء مسؤولية أمن الممرات المائية (مثل هرمز وباب المندب) على عاتق الدول المستفيدة منها بشكل مباشر، مثل دول الخليج، الصين، واليابان.
تحصين سلاسل التوريد: تقليل الاعتماد على الأسواق البعيدة وتعزيز التجارة داخل نصف الكرة الغربي (الأمريكتين) لتقليل فرص الابتزاز الاقتصادي.
يرى التقرير أن تقليص الدور البحري سيمنح واشنطن عدة مكاسب، أبرزها:
خفض ميزانية الدفاع: تقليل الإنفاق على الانتشار العسكري الواسع.
تجنب الحروب غير الضرورية: الحد من التورط في صراعات إقليمية لا تمس الأمن القومي الأمريكي بشكل مباشر.
الاستقرار العضوي: السماح لتحالفات إقليمية بالنشوء لحماية مصالحها الخاصة، كما يحدث حالياً من تعاون بين دول الشمال الأوروبي أو دول جنوب شرق آسيا.
رغم أن هذا التحول قد يبدو صعباً من الناحية السياسية في واشنطن، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن محاولة استعادة “السيادة المطلقة” قد تؤدي إلى استنزاف مالي وعسكري يقوض القوة الأمريكية بدلاً من تعزيزها. ويبقى السؤال المطروح على طاولة الإدارة القادمة: هل تستطيع الولايات المتحدة القبول بمكانتها كـ “قوة عظمى بين أقران” بدلاً من “شرطي البحار الأوحد”؟


