تواجه إمدادات الطاقة العالمية أكبر صدمة في تاريخها الحديث جراء الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز، وسط تحذيرات من انفصال “خطر” بين تفاؤل أسواق المال وبين الواقع المادي المأزوم على الأرض. فرغم القفزة الأخيرة في الأسعار التي تجاوزت 125 دولاراً للبرميل، يرى خبراء أن “حمّام الدم” السعري لا يزال في بداياته.
أشار تقرير لـ إيكونوميست أن إغلاق مضيق هرمز تسبب في احتجاز نحو 14 مليون برميل يومياً، وهو رقم يتجاوز قدرة الأسواق على التكيف دون حدوث “انفجار” في الأسعار. ويرى المحللون أن السعر العادل لخام برنت، في ظل هذا الانقطاع، يجب أن يتجاوز 150 دولاراً لتقليص الطلب قسرياً، مما يجعل الأسعار الحالية (حول 125 دولاراً) أقل من قيمتها الحقيقية.
تشير بيانات تتبع الأقمار الصناعية إلى أن مخزونات النفط العالمية تقترب من أدنى مستوياتها منذ عام 2018. ومع استنفاد كميات النفط التي كانت محملة في الناقلات قبل الصراع، يواجه العالم فجوة إمدادات حتمية، تزامناً مع ذروة الطلب الموسمي في الولايات المتحدة خلال فصل الصيف، مما سيضع ضغوطاً هائلة على أسعار البنزين والديزل.
يسود الأسواق اعتقاد “متفائل بشكل مفرط” بأن إدارة ترامب وإيران ستتوصلان إلى اتفاق سريع يعيد فتح المضيق. لكن الوقائع السياسية تشير إلى العكس حيث ثبت عناد النظام الإيراني وأثبتت طهران قدرتها على تحمل العقوبات لفترات طويلة، وليس لدى النظام حافزا للتنازل السريع تحت القصف.
وقد يفضل ترامب حظر التصدير محلياً لخفض الأسعار في أمريكا على إبرام اتفاق “مذل” يبدو أضعف من اتفاق 2015.
حتى في حال التوصل لاتفاق سياسي، فإن العودة للوضع الطبيعي ستستغرق شهوراً لعدة اسباب منها الألغام البحرية حيث تتطلب عمليات التطهير وقتاً طويلاً، وأيضا تكاليف التأمين حيث يشل الارتفاع الجنوني في أقساط المخاطر حركة الناقلات، ثم الأضرار الفنية التي لن تزول بسهولة حيث يؤدي توقف الإنتاج المفاجئ لتضرر الآبار والمصافي، مما يجعل استئناف الإنتاج بطيئاً.
دخلت الصناعات البتروكيماوية في آسيا مرحلة الركود بالفعل، بينما تضاعفت أسعار وقود الطائرات في أوروبا. ويحذر التقرير من أن البنوك المركزية بصدد مواجهة صدمة تضخمية ثانية هذا العقد، مما قد يضطر الحكومات لتبني سياسات تقشفية قاسية، تشمل تقليص ساعات العمل وحماية سلاسل الغذاء الأساسية فقط.
يرى التقرير إن ثقة المستثمرين في أن الأزمات “تحل نفسها دائماً” قد تصطدم بواقع مرير. العالم يقترب من سيناريو الرعب الذي يخشاه محللو الطاقة لعقود؛ فالنفط ليس مجرد أرقام على شاشة، بل هو شريان الحياة الذي بدأ يضيق فعلياً في الموانئ والمطارات.


